محاولة تركيا ‏"تطبيع" الوضع في إدلب بإخضاع "هيئة تحرير الشام" قد تواجه فشلاً جديداً

2019-9-4 | خدمة العصر محاولة تركيا ‏

بعد معارك شرسة في ريفي إدلب وحماة، أُعطيت ‏"مهلة" إضافية لتركيا من الروس، لحل "معضلة" هيئة تحرير الشام، والمجموعات الجهادية في إدلب، وتطبيق اتفاق «سوتشي». ربما هي آخر قضية عالقة بين الروس والأتراك، وهما يريدان إنهاء الصراع، وإن كانت اليد العليا لموسكو، وأكبر الضحايا هم الثوار الرافضون لاتفاق سوتشي وعملية "أستانة"، كما كتبت صحيفة "القدس العربي".

كان من المفترض أن يؤدي الاتفاق الذي توصل إليه أردوغان وبوتين العام الماضي إلى احتواء الوضع في المحافظة التي تديرها "هيئة تحرير الشام"، لكن تعقيدات الواقع والقتال المكثف وإصرار الثوار الرافضين على مواصلة الدفاع عن إدلب والقتال إلى المربع الأخير أجهض الاتفاق.

وقد اتفق بوتين وأردوغان في اللقاء الأخير بينهما على "خطوات مشتركة إضافية" لتطبيع الوضع في إدلب، كما صرح الرئيس الروسي، و"تطبيع" الوضع هي الكلمة اللغز لفهم ما يجري، حاليَا، وما هو قادم، وتعني، وفقا لمراقبين، إنهاء سيطرة "الجهاديين" على إدلب وإخضاع المنطقة لقوات النظام وتأمين الحدود التركية بحزام أمني للفصائل التابعة لها، ومحاولة "تسوية" وضعية الثوار الرافضين للإذعان، لتتحول القضية من تحرير وطن إلى مسألة إجرائية مرتبطة بمقاتلين يُبحث لهم عن حل. فهذا "التطبيع" للوضع يؤمن لتركيا حدودها ويبعد عنها "الصداع" الكردي ويمنع تدفق النازحين ويُسهَل عودة اللاجئين، ويُخضع إدلب لسيطرة نظام الأسد.

لكن ليس سهلا أن يتحقق هذا على أرض الواقع، فإدلب رافضة للاستسلام، وخاصة "هيئة تحرير الشام"، والمجموعات الجهادية القريبة منها، والمواجهات المباشرة مكلفة ومستنزفة والخسائر لا يمكن تحمَلها في صفوف المدنيين ولا غض الطرف عنها. وفي هذا، رأى نيكولاس هيراس، الباحث في مركز الأمن الأمريكي الجديد، ومقره واشنطن، في تصريحاته لموقع "عرب ويكلي"، أن إحدى نتائج زيارة أوردوغان الأخيرة إلى موسكو هو اعتراف روسيا بمصالح تركيا في إدلب... وظل بوتين وأردوغان يتعاركان حول قضية إدلب منذ أكثر من عام ولن يتغير هذا الواقع".

قد لا يتغير هذا الواقع قريبا، لكن يُراد تفكيكه من الداخل، بتأليب الحاضنة الشعبية والسكان ضد "هيئة تحرير الشام" ضمن محاولات دفعها لأن ترضخ لخيار الحل والاندماج، وهو ما ترفضه قيادتها، حتى الآن، وإن كان تعاملها مع اتفاق سوتشي اتسم بالمرونة بعيدا عن الضجيج والصخب، وتفاهماتها مع الأتراك سهَلت تمركز نقاط المراقبة التركية وجنبتهما اقتتال داخلي، وأنقرة عملت على احتواء الهيئة واستيعابها، مما باعد  المسافة بينها وبين المجموعات الجهادية المستقلة أو المنشقة عنها.

وتشير تقديرات المحللين إلى أن الروس لن يسكتوا عن "هيئة تحرير الشام" والمجموعات الجهادية القريبة منها، وستظل هذه القضية سيفا مسلطا على رقبة الأتراك، لأنهم تعهدوا في "أستانة" و"سوتشي" بحلَ هذا الملف وتُرك الأمر لها، وأما المجموعات الجهادية التي حافظت على ولائها وارتباطها بالقاعدة، صراحة أو ضمنيا، فهذا من اختصاص أمريكا وتحالفها، بمطاردة الرؤوس والقيادات بالقصف الجوي، كما في العملية الأخيرة التي استهدفت مقرا لمجموعة "أنصار التوحيد" الجهادية المقربة من تنظيم "القاعدة" في إدلب، ولا تحتاج في هذا لا إلى تصريح ولا إلى تنسيق مسبق، فملف تصفية القيادات الجهادية بيد الأمريكيين منذ هجمات سبتمبر 2001.

لكن ملف "الهيئة" في إدلب يرى فيه محللون أهم خطوة، وربما أكثرها حسما، في مخطط استعادة النظام السيطرة على إدلب بغطاء جوي وبري روسي بالاتفاق بين موسكو وأنقرة. وكل الحديث عن الشروط والمطالب "الواجب تطبيقها" من الهيئة ليست أكثر من ضغوط تركية للتخلص من هذه "المعضلة" التي تتصدر كل الاجتماعات التركية الروسية حول إدلب، وإن لم تؤثر في العلاقة بينهما، ذلك لأن الارتباط التركي بالروس في سوريا يتجاوز إدلب وما بعدها، ثم إن روسيا هي الطرف الأقوى تأثيرا، حاليَا، في تصعيد الحرب واتجاهات الأحداث في سوريا، وهي اللاعب الخارجي الرئيسي الوحيد الذي يمكنه تعزيز انخراطه وتورطه ودعمه لمسار الحرب، ولكن إيجاد تسوية لهذا الملف يحدد مصير إدلب، وفي هذا يرى محلل شؤون التركية والسورية، آرون شتاين، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسة الخارجية في واشنطن، في حسابه على تويتر، أن "نظام دمشق سيعود إلى مناطق الحدود مع تركيا بعد فترة، ولذا تفكر  واشنطن في  ترتيب يسمح للولايات المتحدة بالمغادرة ويترك الروس يتحملون أعباء ما بعد السيطرة..".

ولا يعني هذا، حسب محللين، أن الطريق لإخضاع إدلب مُمهد، إذ يرجح كثيرون أن صمود المعقل الأخير للثوار يعطل خطط السيطرة عليها ويخلف أوراق الأطراف المؤثرة في الصراع. ولكن تعمل تركيا على تمرير اتفاق سوتشي دفعا لمزيد معارك وتدفق النازحين وكسبا للوقت وتخفيفا للضغط الروسي، وهنا أشارت تقديرات صحفية إلى أن أنقرة أبلغت المعارضة أن أمامها خياران، إما القبول بفتح الطرق الدولي والانسحاب من منطقة خفض التصعيد أو استمرار المواجهات وخسارة المزيد من المناطق بالقضن التدريجي والقصف الروسي الحربي الهمجي. وقد لا يكون الانسحاب المفترض مقتصرا، الآن، على منطقة خفض التصعيد، وربما يدفع الروس نيابة عن النظام، نحو انسحاب الثوار من كامل المناطق جنوبي طريق حلب اللاذقية، وكامل مناطق شرقي الطريق حلب دمشق.

وفي المحصلة، كما يرى مراقبون، فإنه لا تغيير في خطة تعامل الهيئة مع الأتراك واتفاق سوتشي، بتحقق الحد الأدنى مما هو مطلوب على أرض الواقع ومن دون ضجيج وصخب، لكنها لن تخضع لكل ما هو مطلوب ومفروض عليها، وربما ستستمر تركيا في محاولات احتوائها من الداخل بعيدا عن منطق المواجهة المباشرة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر