لقاء أردوغان بوتين: "إدلب" قضية ثانوية

2019-8-29 | خدمة العصر لقاء أردوغان بوتين:

كما كان متوقعا، سعى الرئيس التركي أردوغان في لقائه الأخير مع نظيره الروسي، على هامش معرض "ماكس – 2019" للطيران والفضاء الدولي قرب موسكو، إلى الحصول على مهلة من فلاديمير بوتين في الوقت الذي تقترب فيه ميلشيات نظام الأسد، المدعومة من روسيا، من آخر معقل للثوار في البلاد، وهذا لتأجيل الحسم وتخفيف الضغط العسكري ومحاولة لإيجاد أرضية مشتركة حول "معضلة" إدلب قبل استضافة القادة الروس والإيرانيين في أنقرة في 16 سبتمبر القادم. وبدا أن محرقة أطراف إدلب، في الأشهر الثلاث الأخيرة، لم تضعف العلاقة بين تركيا وروسيا ولا أثرت في توثيق الارتباط العسكري بينهما.

فقد قالت موسكو وأنقرة إنهما سيعمقان التعاون الدفاعي بعد أن عرض الرئيس بوتين أحدث طائرة مقاتلة من طراز (Su-57) على الرئيس التركي، وربما كان هذا أهم، في حسابات ومنظور وعلاقات الطرفين، من الشأن السوري. إذ يرى محللون أن قضية إدلب محسومة، والخلاف حول المهلة والتفاصيل، كما كتبت صحيفة "القدس العربي"، لذا يتفاوض بوتين وأردوغان على إنهاء الصراع في الشمال السوري، آخر معاقل الثوار، بشروط يتوافقان عليها، فموسكو تغري أنقرة بصفقات عسكرية وأنقرة تحتاج دعمها في كسر العلاقة بين أمريكا والأكراد.

وفي هذا رأى "أليكسي مالاشينكو"، كبير المحللين في مجموعة أبحاث حوار الحضارات ومقرها برلين، في حديثه لشبكة "بلومبرغ"، الإخبارية الأمريكية، أن "بوتين وأردوغان يحاولان منع تصاعد الأزمة في إدلب، لأن لديهم مصالح مشتركة كثيرة بما في ذلك مبيعات الأسلحة...ومن المحتمل أن يكونوا قادرين على تجنب كابوس، لكن هذه مشكلة طويلة الأجل لن تختفي"، وإن أشار مراقبون إلى أن خيارات تركيا في سوريا محدودة، ونظام الأسد، وفقا لتقديرات "آرون شتاين"، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسة الخارجية في واشنطن، في حسابه على تويتر: "سيستمر في الالتفاف على كامل منطقة إدلب ولن يتوقف، فقد أدت اتفاقية "أستانا" إلى تأخير الأمور، لكن شروطها غير قابلة للتنفيذ، وسيتم استخدامها لتبرير ما سيحدث". والروس، وفقا لمراقبين، لن يكبحوا قوات وميلشيات النظام، لكن سيكون قضما تدريجيا، ولقاء بوتين أردوغان، الأخير، لم يضعف شهية الروس للحسم العسكري ولا نزوعهم نحو تمكين النظام من بسط سيطرته على المعقل الأخير للثوار في الشمال السوري.

وربما رأى القادة الأتراك الاستعانة بدعم الروس للمواجهة مع الولايات المتحدة وأوربا، وقد يكون هذا، من منظورهم، أفضل طريقة لتعزيز مصالح بلادهم. ثم إن خيارات واشنطن للضغط على أنقرة في سوريا محدودة، فقد كان للصراع السوري تأثير مدمر في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، وخاصة ما ارتبط بتسليح واشنطن لوحدات حماية الشعب الكردية.

فتركيا في استدارتها منذ أربع سنوات تقريبا، أعادت ترتيب أولوياتها في سوريا، خرجت من مسار تغيير النظام إلى كسر الوفاق بين الولايات المتحدة والوحدات الكردية وضمان عدم تدفق النازحين مجدَدا، واحتاجت أنقرة، في كل هذا، إلى إسناد من الروس، وأخضعت دعمها لفصائل الثوار المقاتلين للأسد في الشمال السوري لهذه التطورات الجديدة، ولهذا، بدت "إدلب" في اللقاء الأخير بين بوتين وأردوغان قضية ثانوية بعيدة قليلا عن مركز الاهتمام التركي في سوريا، ولم تؤثر في سياسة الاعتماد المتبادل بينهما، لكن قضية النازحين كانت أكثر ما يؤرق تركيا ومعها تمكين اللاجئين من العودة إلى مناطق في الشمال. فالتعامل مع الهجرة الجماعية للاجئين، كما أشار المحلل الروسي، كيريل سيمينوف، في مقال نشره موقع "المونيتور"، "هو التهديد الرئيسي الذي يشكله إدلب على تركيا"، وأضاف: "إذا قصفت الطائرات الحربية الروسية والسورية الأجزاء الجنوبية والشرقية من منطقة التصعيد (في محافظة إدلب)، فيمكنها دفع تدفق هائل من الناس تجاه الحدود التركية. فمن ناحية، من غير المجدي أن يدافع الثوار بشدة عن مدن الأشباح، ومن ناحية أخرى، فإن الهجرة الجماعية المحتملة للاجئين نحو تركيا تفرض الضغط على أنقرة..".

وربما تفهمت موسكو أزمة تركيا مع اللاجئين ومخاوفها من موجات النزوح، فعرضت على تركيا، وفقا لتقديرات بعض المحللين، منطقة عازلة للنازحين داخليا مقابل إخضاع إدلب للنظام، كما قد تسمح روسيا بمنح المنطقة الحدودية وضعا مشابها لمنطقة درع الفرات، وربما حتى من دون تسوية نهائية. لكن الوفاق الروسي التركي كان يصبَ في مصلحة موسكو، لذلك اقتضى بعض التحفيز الروسي، فكانت العروض العسكرية، التي طغت على لقاء أمس، في مجال التعاون الدفاعي، ولكن ما تريده موسكو من أنقرة، عندما يحين الوقت، هو ضمان استسلام مناطق الفصائل التي ترعاها تركيا لسيطرة النظام، وهذا تُدركه تركيا وتدفع باتجاهه روسيا. فليس ثمة شيء مجانا، كما علق الكاتب "مكسيم سوشكوف"، الباحث في المجلس الروسي للشؤون الدولية على حسابه في موقع "تويتر"، قائلا: "(الآيس كريم)، هو الشيء الوحيد حصل عليه أردوغان من بوتين مجانا ولم يدفع ثمنه، وكل الأمور الأخرى إما أن يدفع ثمنها أو يُساوم عليها أو يتنازل عنها".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر