الذهب والمرتزقة موَلا "دولة" حميدتي الموازية: أمريكا وبريطانيا وراء اتفاق السودان؟

2019-8-19 | خدمة العصر الذهب والمرتزقة موَلا

كتب "أليكس دي وال"، مدير مؤسسة السلام العالمي ومؤلف كتاب "السياسة الحقيقية في القرن الإفريقي: المال والحرب وأعمال القوة"، أنه بعد أن أزالت شخصيات عسكرية رفيعة في السودان البشير في أبريل الماضي (بضغط من الثورة الشعبية)، تدخلت السعودية والإمارات على الفور لدعم المجلس العسكري الانتقالي الجديد. قاموا بتحويل 500 مليون دولار نقدًا ووعدوا بمبلغ 2.5 مليار دولار إضافي في السلع الأساسية. التقى قادة الدول المعنية بشكل منتظم، ويعتقد كثير من السودانيين أن حملة 3 يونيو التي قُتل فيها العشرات من المتظاهرين لم تأتي إلا بعد الضوء الأخضر من السعودية والإمارات ومصر.

وعندما رفض مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي عملية الاستيلاء العسكري وطالب بنقل السلطة إلى المدنيين، قوضت مصر هذه الخطوة بالإصرار على تمديد الموعد النهائي لتسليم السلطة من 15 إلى 90 يومًا. بعد عمليات القتل التي وقعت في 3 يونيو، حاولت بعد ذلك منع تعليق عضوية السودان. وقد قاومت الدول الأفريقية تقاوم، وإن كانت ضعيفة. بعد 3 يونيو، على سبيل المثال، تحدَى مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي الضغط المصري وعلَق عضوية السودان، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى الرئاسة النيجيرية القوية.

بعد ذلك، عيّن رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، موسى فكي، مستشاره "حسن لابات" مبعوثًا للإبلاغ عما إذا كان السودان يستوفي شروط إعادة القبول. وكان تحرك "لابات" سريا، لم يشارك مقترحاته مع أحد. أما الهمس داخل الاتحاد الإفريقي، فيشير إلى أن "فكي"، وزير الخارجية التشادي السابق، قد تماشى مع تفضيل الرئيس التشادي إدريس ديبي لدور قوي للجيش في الحكومة السودانية، وصيغ جدول أعمال "لابات" وفقًا لذلك. ثم في أوائل يونيو، تدخل رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، شخصيًا لمحاولة التوسط في تسوية بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير المعارضة، وقد كانت مبادرة أبيي مرتبطة به، مع الحد الأدنى من الإعداد أو التشاور، والدعوة إلى التآخي حلا لمشكلة سياسية. ومع ذلك، فقد أتاح ذلك فرصة للجانبين للحديث. بالإضافة ذلك، شكلت معادلة المشاركة في السلطة أساسًا لاتفاقية المجلس الانتقالي مع قوى التغيير، الموقعة في 5 يوليو.

غير أن دور الاتحاد الأفريقي في هذه الصفقة، وفقا للكاتب، كان محدودًا ورمزيًا إلى حد كبير. إذ كان الحقيقي وراء الكواليس من قبل الدبلوماسيين الأمريكيين والبريطانيين. في أبريل ومايو، تجاوزت الدول الغربية البيانات الاعتيادية لدعم الديمقراطية. ولكن بحلول وقت مذبحة 3 يونيو، كانوا قد بدأوا في رؤية مخاطر انجراف الانتقال، بشكل خطير، خارج المسار.

وقد أدى هذا إلى قيام وزارة الخارجية الأمريكية في منتصف يونيو باستدعاء دونالد بوث، مبعوثها الخاص السابق للسودان. فمنذ عام 2018، كان المسؤولون الأمريكيون والبريطانيون يناقشون كيفية تنسيق إستراتيجياتهم تجاه دول الخليج والقرن الأفريقي. وبدأت هذه المشاورات الداخلية تؤتي ثمارها الآن. وهناك اجتماعات دورية بين كبار الدبلوماسيين في الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات. في يونيو، كان التركيز، لأول مرة، على السودان.

في سلسلة سريعة من الاجتماعات في العواصم العربية ولندن، حدَد الشركاء الغربيون المشكلة. وفي أثناء عرضها، انفجر القمع الدموي في الخرطوم وكلن وراءه السعودية والإمارات. في أعقاب توبيخ الكونغرس الأمريكي للمملكة بسبب الحرب في اليمن وقرار المحكمة العليا البريطانية بالحكم على مبيعات الأسلحة إلى المملكة بأنها غير قانونية، حذروا أيضًا من وجود دائرة انتخابية في الدول الغربية مستعدة للتظاهر ضد الأعمال الوحشية في السودان.

إلى جانب هذه التحذيرات، من المرجح أن قادة الأمن في السعودية والإمارات فوجئوا بقدرة المتظاهرين السودانيين على الصمود. بعد فترة وجيزة من مذبحة 3 يونيو، عاد الناس إلى الشوارع وأعدوا لـ"مسيرة الملايين" في 30 يونيو. وكان لدى الولايات المتحدة وبريطانيا سبب للدفع باتجاه التوصل إلى اتفاق في السودان. إذ على عكس ثورات الربيع العربي التي شكل فيها الإسلاميون جزءًا كبيرًا من حركات الاحتجاج، كانت انتفاضة السودان ضد نظام إسلامي. فقد كان كل من المجلس العسكري واتحاد قوى التغيير معاديا للإسلاميين في السودان، والذين كانوا متأكدين من أنهم سيكونون هم الفائز إذا اقتتل الطرفان (المجلس وقوى التغيير). بالإضافة إلى ذلك، فإن انهيار النظام في السودان قد بفتح الباب للمتطرفين، وفقا لتقديرات الكاتب.

وأدت هذه الدوافع المشتركة، أخيرًا، إلى عقد اجتماع شبه سري في الخرطوم شارك فيه قادة المجلس الانتقالي العسكري واتحاد قوى التغيير بممثلين من بريطانيا وأمريكا والسعودية والإمارات. في هذا الاجتماع، استخدم المشاركون الصيغة الإثيوبية للتوصل إلى اتفاق التي وقعوا عليها في 5 يوليو. وكان مبعوثا الاتحاد الإفريقي، لابات ومحمود درير الإثيوبي، في متناول اليد لتسويق الاتفاق.

وتشير هذه القصة إلى أن تأثير "الترويكا العربية" محدود، وينبئ عاملان آخران إلى أن قوة المشرق في السودان محدودة:

الأول: الانقسامات داخل "الترويكا العربية" بين السعودية والإمارات، وظهر هذا جليا في اليمن. وهناك أيضًا انقسام أعمق بين مصر، التي تعتبر السودان خلفية لها، وممالك الخليج. تفخر مصر بفهم السودان وترى السعودية والإمارات وافدين جدد يسعون إلى التأثير من خلال صرف الأموال وفقط. وقد حصرت مصر مطالبها للسودان بتسليم الإسلاميين المصريين في المنفى، وتعليق صفقة تركيا لتطوير قاعدة بحرية، والتنازل عن مطالبتها الإقليمية بمثلث حليب.

كما يكره عديد من الجنرالات المصريين والسودانيين، وبينهما علاقة وثيقة طويلة الأمد، قوات الدعم السريع شبه العسكرية (RSF)، بقيادة الجنرال محمد حمدان دجالو (الملقب حيمدتي) الذي يشغل منصب نائب القائد في المجلس الانتقالي العسكري، ويخشونها، ولن يستطيعوا فهم السبب وراء استعداد السعودية والإمارات لدعمه على نحو متهور.

وبينما تجد الدول العربية نفسها منخرطة في المفاوضات الداخلية بين السودانيين، فإنها ستواجه نقطة خلاف أخرى محتملة. السودان لا يحتاج إلى التسوية السياسية، وفقط، ولكن إلى السلام أيضا. وهذا يعني دور الإسلاميين في الخرطوم والمحافظات. فعلى مدار عقد من الزمان، كانت الوصي على عملية السلام في دارفور هي قطر، المنافس الرئيسي للثلاثي، وسيكون من المستحيل تجاهل تأثير الدوحة أو الإسلاميين في السودان.

ومن بين الضباط العسكريين والسياسيين الذين اعتقلوا في الفترة من 27 إلى 28 يوليو في أعقاب الانقلاب المزعوم، كانوا من الإسلاميين المخضرمين وضباط الجيش الذين ليس لديهم ميول سياسية واضحة. ما وحَد هذه المجموعة المتباينة كان خوفهم المشترك من حكومة يديرها حميدتي.

العامل الثاني اقتصادي وظهر مؤخرا: لب المشكلة أنه بعد انفصال جنوب السودان في عام 2011، فقد السودان 75٪ من حقوله النفطية ونسبة أكبر من أرباح عملته الصعبة، وفي العالم التالي اشتعل سوق الذهب، وفي غضون سنوات قليلة كان الذهب يوفر 40٪ من صادرات السودان، ولكن تم تهريب حوالي ثلثه إلى ليبيا أو تشاد أو مباشرة بالطائرة إلى أكبر سوق للذهب في المنطقة العربية في دبي.

وردت الحكومة في الخرطوم، التي كانت يائسة للسيطرة على الذهب، باستخدام بنك السودان المركزي كوكيل الشراء الوحيد لها، حيث دفعت أعلى من سعر السوق لتجار الذهب وطباعة النقود لتغطية هذه النفقات. وأصبح شراء الذهب للتحويل إلى العملة الصعبة محرك التضخم في السودان، الذي ارتفع بشكل كبير. وبحلول عام 2018، كان سعر السلع الأساسية، مثل الخبز والوقود مرتفعًا جدًا، مقارنة بالأجور الراكدة، وكان هذا دافعا لنزول الناس في جميع أنحاء البلاد إلى الشوارع للاحتجاج.

وكان الجنرال "حميدتي" هو الفائز الأكبر في هذا التشوه الاقتصادي الكلي، إذ تسيطر ميليشيات "قوات الدعم السريع" التابعة له على مناجم الذهب ويملك شخصيا عددًا من التنازلات. وباعتماد السياسة النقدية للسودان، تم تحويل موارد هائلة من أصحاب الأجور في وسط البلاد إلى رجال الميليشيات وتجار الذهب في الأطراف. كما استفاد "حميدتي"، أيضا وبشكل كبير، من توفير المرتزقة، والذي قد يكون ثاني أكبر مصدر للنقد الأجنبي في السودان اليوم. فبعد بضعة أشهر من شن السعوديين حربهم في اليمن في مارس 2015، تطوع السودان لإرسال قوات. كانت الكتيبة الأولى تابعة للجيش، ولكن بعد ذلك أبرم "حميدتي" صفقة موازية لإرسال عدة ألوية من مقاتلي "قوات الدعم السريع". في غضون عام، كانت ميلشيات الدعم السريع تضم أكبر وحدة أجنبية تقاتل في اليمن مع ما لا يقل عن 7000 من المرتزقة.

وباختصار، أصبح بنك السودان المركزي أداة للتمويل السياسي للجنرال "حمديتي". ومنذ أن أصبح الممثل الرئيسي في المجموعة الحاكمة في السودان في أبريل، مارس قبضة أشد على إنتاج الذهب وصادراته في وقت كان فيه ينتقل بقوة إلى مناطق تجارية أخرى، وزاد من انتشار "قوات الدعم السريع" في اليمن وأرسل لواء للقتال في ليبيا إلى جانب الجنرال خليفة حفتر، المدعوم من مصر والإمارات  وبالتأكيد في مقابل مكافآت مالية إماراتية.

والمسألة هي أن أياً من هذا لا يعالج أزمة الاقتصاد في السودان: التضخم المتزايد، والتأخر عن سداد الديون الدولية، ولهذا يرى الكاتب أن صداماً بين منطق السوق السياسي لـ"حميدتي" والاقتصاد الكلي في السودان يلوح في الأفق. وقد قامت السعودية والإمارات باستثمار سياسي كبير في المجلس الانتقالي العسكري على أساس تحليل أمني، ولكن الحسابات الاقتصادية ستدخل المعادلة بشكل متزايد. وسيواجه القادة العرب ضغوطًا إضافية من مستشاريهم الاقتصاديين ورجال الأعمال الذين غرقوا في استثمارات سودانية.

**رابط المقال الأصلي:https://africanarguments.org/2019/08/01/cash-and-contradictions-on-the-limits-of-middle-eastern-influence-in-sudan/

 

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر