اتفاق "المنطقة الآمنة" شراء أمريكي للوقت وتسهيل إعادة توطين اللاجئين ومنع تركيا من التوغل

2019-8-7 | خدمة العصر اتفاق

اتفقت الولايات المتحدة وتركيا، هذا الصباح، على إنشاء مركز تشغيل "منطقة آمنة" في سوريا ، مما يحول دون تدخل عسكري تركي وشيك من جانب واحد في شمال سوريا. بدأت المحادثات بعد أن قالت تركيا مرارًا إنها تستعد لندخل بري أحادي الجانب ضد ميليشيات "وحدات حماية الشعب الكردية" المتمركزة في شمال شرق سوريا.

"ربما لم يسبق له مثيل أن تنفق الولايات المتحدة الأمريكية كثيرا من الوقت والجهد والمخاطر لدرء حليف قديم (تركيا) منذ أكثر من نصف قرن من مهاجمة شريك فاعل غير حكومي عمره نصف عقد (الوحدات الكردية).."، هذا ما علق به الكاتب نيكولاس هيراس، الباحث في مركز الأمن الأمريكي الجديد، على بيان "ممر السلام" الأمريكي في الشمال السوري بعد الاتفاق مع تركيا. وأشارت تقديرات بعض المراقبين إلى أن هذا الاتفاق ليس إلا شراء للوقت وتماطلا من الجانب الأمريكي لتهدئة المخاوف والقلق التركي وبحثا عن موطن لعودة اللاجئين، وهي القضية التي أصبحت إحدى القضايا الرئيسية في اهتمامات تركيا حاليَا.

وقال "هيراس" إن ما تم الاتفاق عليه في أنقرة كان مجرد اتفاق للحديث أكثر. كان هدف الفريق الأمريكي المفاوض هو منع تركيا من اجتياح الشمال الشرقي من جانب واحد. وأُعلم قيادة "قوات سوريا الديمقراطية" بنفاصيل المحادثات التي جرت في وقت حدوثها. ورأى أن الجميع يركز على ما إذا كان الجيش التركي سيكون قادرا أم لا على الدخول إلى مناطق شمال شرق سوريا، والجواب هو: من المرجح جدا، لكن برفقة قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة وفض الاشتباك مع "قوات سوريا الديمقراطية"، وكان الجيش الأمريكي واضحًا جدًا في هذا. وأفاد أن ما الذي يجب أن يركز عليه المتابعون هو خطة إعادة توطين اللاجئين السوريين في شمال شرق سوريا. يريد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، وهذه أمر مهم من الجانب التركي ومن منظور إستراتيجي، أن يحقق الاستقرار في المناطق التي كانت خاضعة لـ"تنظيم الدولة" لتسهيل عودة اللاجئين. وهنا، كلا الجانبين يمكن أن يستفيد.

ورأى "هيراس" أن الجميع يركز على ما إذا كان الجيش التركي سيكون قادرا أم لا على الدخول إلى مناطق شمال شرق سوريا، والجواب هو: من المرجح جدا، لكن برفقة قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة وفض الاشتباك مع "قوات سوريا الديمقراطية"، وكان الجيش الأمريكي واضحًا جدًا في هذا. وأوضح أن الذي يجب أن يركز عليه المتابعون هو خطة إعادة توطين اللاجئين السوريين في شمال شرق سوريا. يريد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، وهذه أمر مهم من الجانب التركي ومن منظور إستراتيجي، أن تحقق "قوات سوريا الديمقراطية" الاستقرار في المناطق التي كانت خاضعة لـ"تنظيم الدولة" لتسهيل عودة اللاجئين. وهنا، كلا الجانبين يمكن أن يستفيد.

ومنذ إعلان الرئيس ترامب بالانسحاب من الشمال السوري، سافر مسؤولون أمريكيون مرات عديدة إلى أنقرة وشمال شرق سوريا لوضع ترتيب يتجنب المواجهة المباشرة بين تركيا وحليفها، الوحدات الكردية. لكن لا تزال الفجوة واسعة بين الطرفين. فبينما تطالب أنقرة بالسيطرة الكاملة على أجزاء من منطقة الشمال الشرقي وإبعاد المقاتلين الأكراد عن حدودها، ترفض وحدات حماية الشعب هذا، وتطالب بإنشاء منطقة عازلة، بضمانات دولية، يمكن أن تردع التوغل التركي، وتحافظ بهذا على هيمنتها على شمال شرق سوريا. ويصر كل منهما على أن تكون هذه المنطقة تحت سيطرته الفعلية.

وفي غياب حل وسط، ستبقى القضية عالقة، إذ ترى واشنطن أنه ليس أمامها إلا حماية "وحدات حماية الشعب" أو تعزيز علاقاتها مع تركيا، لكنها لا تستطيع القيام بالأمرين معا في وقت واحد، واقتصرت مهمتها، في الفترة الأخيرة، على منع الطرفين المعاديين، الأكراد والأتراك، من الاقتتال، فأنقرة رافضة لأي شكل من أشكال الحكم الذاتي المحلي، والأكراد يراهنون على الحماية الأمريكية لمنطقة نفوذهم وسيطرتهم، والوجود الأمريكي في الشمال الشرقي يُبعد احتمال استعادة النظام وداعميه الإيرانيين السيطرة على المنطقة الغنية بالنفط. وترى أنقرة في هذه الحماية أو المظلة الأمريكية الأمنية تشجيعا، ضمنيا، لإنشاء كيان ذاتي محلي، وفي هذا إغراء للأكراد بالتمرد وإعلان الاستقلال.

وربما اقتنعت تركيا بأن الولايات المتحدة لن تتعامل مع مخاوفها، وتصرفت بدافع مصالحها القومية، ولكن، غالبا، بضوء أخضر روسي واضح. ولكن حتى من دون التزام صريح، فإن ما تبقى من الوجود الأمريكي قد يردع أي هجوم تركي شامل.

وقد لاحظ الخبير الروسي في شؤون المنطقة، أليكسي خليبنكوف"، في تعليقه على حسابه في تويتر، أن إعلان أردوغان حول العملية العسكرية شرق الفرات ضد الوحدات الكردية جاء عشية المحادثات التركية الأمريكية، في أنقرة، بشأن المنطقة الآمنة في سوريا، ويظهر هذا بوضوح رغبة تركيا في الضغط على الولايات المتحدة. وتصر تركيا على المنطقة العازلة بعمق يتراوح بين 19 و25 ميلا، شرق الفرات، مع إبعاد القوات الكردية عنها. وحتى الآن، ليس ثمة تقدم في الموقف، فالولايات المتحدة ليست مستعدة للقبول والتنازل للأتراك، وتبدو تركيا مترددة في إدارة العمليات على نطاق واسع، كما إنها غير مستعدة للتسامح مع الأكراد.

ولكن نيكولاس هيراس، الباحث في مركز الأمن الأمريكي الجديد، عرض وجهة نظر متفائلة إلى حد ما، قائلا لصحيفة "اندبندنت" البريطانية: "يشعر الجانب الأمريكي أنه إذا منح أردوغان مكسب فرض وجود عسكري تركي في بعض المناطق التي تقع شرق الفرات، في دوريات مشتركة مع القوات الأمريكية وربما الفرنسية، فإنه يمكن تجنب العمل العسكري". ومن الواضح جدا، كما علق "هيراس"، على حسابه في تويتر، "أنه سيتعين على "قوات سوريا الديمقراطية" قبول حل وسط بشأن موقفها بأنه لا يمكن لقوات تركية أن تدخل شمال شرق سوريا، ولكن من شبه المؤكد أن يكون هناك وجود لتركيا تحت قيادة قوات التحالف الأخرى. والسؤال الكبير الآن هو هذا: هل هذا يرضي أردوغان؟". ورأى أنه "من المشكوك فيه السماح بوحدات المدرعات الثقيلة التركية الدخول إلى شمال شرق سوريا. يبدو أن الدوريات المشتركة ستستند إلى بروتوكولات منبج، وإلى الآن، كل شيء يعتمد على استمرار الوجود الأمريكي".

والتحدي الكبير الذي يجب أن يتم الفصل فيه بشكل ثلاثي بواسطة التحالف وتركيا وقوات "قسد"، بعد اتفاق أنقرة الأخير، هو السماح للاجئين السوريين بالعبور إلى شمال سوريا وإعادة توطينهم، إذ هناك المئات من الآلاف من اللاجئين المحليين من هذه المنطقة، فأي من اللاجئين السوريين بالضبط الذين يُعاد توطينهم في شمال شرق سوريا، وتحت أي ظروف، فهذه، بذاتها، مشكلة كبيرة/ ثم هل سيقبلون حكم الوحدات الكردية؟

وفي السياق ذاته، رأى المحلل "آرون شتاين"، مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد أبحاث السياسة الخارجية في واشنطن، أن الولايات المتحدة وتركيا قد اتفقتا على إنشاء مركز تشغيل "منطقة آمنة" في سوريا، لتفادي تدخل عسكري تركي وشيك من جانب واحد في شمال سوريا. ولكن، تساءل: هل أردوغان مستعد لقبول دوريات مشتركة والتناول عن السيطرة على منطقة بعمق 32 كم، كما يطالب ويلح، ليقتصر الأمر على اتفاق ضيق مثل منبج؟


تم غلق التعليقات على هذا الخبر