الأزمة قادمة: سوريا ونهاية التحالف التركي الأمريكي؟

2019-8-5 | خدمة العصر الأزمة قادمة: سوريا ونهاية التحالف التركي الأمريكي؟

كتب الباحث "آرون شتاين"، مدير برنامج الشرق الأوسط بمعهد أبحاث السياسة الخارجية، أنه بعد ما يقرب من عام من المفاوضات لحل الخلافات حول الحرب في سوريا، ما عادت الولايات المتحدة وتركيا أقرب إلى التوصل لاتفاق بشأن "منطقة آمنة" مقترحة على طول الحدود التركية السورية. في خطاب ألقاه نهاية الأسبوع، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان، مرة أخرى، عزمه على التدخل البري في شمال شرق سوريا: "دخلنا عفرين وجربلس والباب. والآن سوف ندخل شرق الفرات. وقد أخبرنا روسيا والولايات المتحدة بهذا". وجاء تهديد أردوغان بعد أيام قليلة من زيارة جيمس جيفري أنقرة لإجراء محادثات غير حاسمة حول شمال شرق سوريا، وعشية زيارة قام بها وفد عسكري أمريكي لمناقشة الموضوع نفسه.

وقال الكاتب إن خطر التدخل التركي الأحادي الجانب كبير، وأي خطوة من هذا، بالنسبة لأنقرة، ستجعل وضع القوات الأمريكية والميليشيات المتحالفة معها في سوريا أكثر صعوبة. ومع ذلك، بالنسبة لأنقرة، فإن التهديد هو مجرد تكرار للسياسة، وهو أمر منطقي من الناحية الاستراتيجية، بالنظر إلى حقيقة أن تركيا مستعدة للمخاطرة بحياة الأفراد العسكريين الأمريكيين بسبب المظالم العميقة التي أثارتها السياسة الأمريكية في سوريا والاستحواذ المتزامن على الأكراد السوريين.في سوريا.

في المحادثات مع الولايات المتحدة حول الشمال الشرقي، تبنت أنقرة موقفا متشددا، وطالبت بالسيطرة الكاملة على عمق 32 كيلومتراً من الأراضي الممتدة من نهر الفرات إلى الحدود السورية التركية - العراقية. وسعت الولايات المتحدة إلى التعامل مع مقترحات أنقرة، معارضة فكرة إنشاء منطقة تديرها تركيا، لصالح منطقة تديرها الولايات المتحدة، حيث سيكون لأنقرة وجود محدود، على أن يُسحب المسلحون الأكراد من جزء من الأراضي 5 إلى 14 كيلومترا عمق. وينبع هذا الخلاف الأساسي من انحراف خطر في تصورات التهديدات والمصالح في سوريا، المتعلقة بمخاوف أنقرة حول تمكين الميليشيات الكردية، من ناحية، ومخاوف واشنطن بشأن ضمان هزيمة "تنظيم الدولة"، من ناحية أخرى. وهذا الانقسام الأساسي أثار حفيظة حليفي الناتو منذ أواخر عام 2014، وعلى الرغم من المحادثات التي استمرت قرابة نصف عقد، لا يستطيع أي من الطرفين تقديم حل وسط يرضي المصالح الوطنية الأساسية لكل بلد.

هذه المشكلة ضرورية لفهم التراجع الأخير في العلاقات الأمريكية التركية. إذ يركز النقاش الدائر في واشنطن حول "من فقد تركيا" على دعم الولايات المتحدة للأكراد السوريين في الحرب ضد داعش وكيف أن التركيز الأمريكي الأحادي على هزيمة "تنظيم الدولة" هو السبب في اقتراب أنقرة مؤخراً من روسيا وتهديداتها بالتدخل العسكري في ​​شمال شرق سوريا.

محادثات المنطقة الآمنة صعبة جدا، ومن المرجح أن تفشل. في جوهر الخلاف بين الولايات المتحدة وتركيا، أن لكل طرف مفاهيم مختلفة اختلافًا جوهريًا عن الأمن الإقليمي. والسبب الجذري للمشكلة هو أن كلا من أمريكا وتركيا ينظر إلى الآخر طرفا أساسيا في زعزعة الاستقرار في المنطقة. بينما يظل الجانبان مهتمين بالحديث، نظرًا لأنهما عضوان في الناتو، إلا أنهما غير مهتمين بالتوصل إلى حل وسط، لأن كل طرف قرر أن مصالح الأمن القومي الخاصة به في سوريا أهم من مصالح الطرف المعارض.

بدأت المحادثات الأمريكية التركية حول منطقة آمنة في شمال شرق سوريا في ديسمبر 2018 بطريقة غريبة إلى حد ما: في مكالمة هاتفية، تحدى الرئيس دونالد ترامب مستشاريه ووافق على طلب الحد الأقصى الذي طرحه نظيره الرئيس رجب طيب أردوغان. عرض الرئيس التركي تولي المهمة الأمريكية في شمال سوريا، واستبدل القوات الأمريكية والأوروبية المتمركزة الآن في شمال شرق سوريا بالقوات التركية. هذه القوات، إذن، ستنهي الحرب الإقليمية المستمرة آنذاك ضد "داعش. حرص الرئيس الأمريكي على الانسحاب ينبع من ازدرائه للتورط الأمريكي غير المحدود في المنطقة، وفي سوريا، رغبة في دفع الجهات الفاعلة الإقليمية إلى تحمل تكاليف بناء "مناطق آمنة" للاجئين، لأنه يعتقد أن الوجود العسكري الأمريكي يُمكِّن الخصوم والحلفاء من الركوب على ظهر القوة العسكرية الأمريكية.

ولم يكن العرض التركي حقيقيًا أبدًا، وفقا لتقديرات الكاتبـ، بل صُمَم للضغط على الولايات المتحدة للبدء في قطع العلاقات مع "قوات سوريا الديمقراطية"، وهي ميليشيا يقودها الأكراد. وهكذا، على الرغم من أن ترامب قد استجاب بشكل إيجابي للعرض التركي، إلا أن القرار المتسرع أخذ أردوغان على حين غرة، مما أثار الدعوة للحذر في إدارة انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، حتى لو كان ذلك يعني إبطاء عملية الخروج.

والتأخر في التنفيذ، في النهاية، لم يكن في مصلحة تركيا. وقد سمح هذا لأعضاء إدارة ترامب بإقناعه بعكس أمره، والبقاء في سوريا مع القوات الفرنسية والبريطانية. ومع ذلك، لا يزال التحدي التركي قائما، وهو يفسح المجال أمام سلسلة من المناقشات المطولة بين أنقرة وواشنطن، والتي لم تحقق أي تقدم حتى الآن. في الأسابيع الأخيرة، سعت تركيا إلى زيادة الضغط على الولايات المتحدة، مهددة بالاجتياح الأحادي الجانب ما لم تستجب واشنطن لمطالب أنقرة لإنشاء منطقة آمنة بعمق 32 كم.

والتحدي هو أن الولايات المتحدة لديها عدد صغير من القوات في سوريا، فيعد مكالمة ترامب في شهر ديسمبر مع أردوغان، خُفض العدد من حوالي 2000 إلى 1000 جندي دون استبدال أي جندي أمريكي بتعزيزات أوروبية. وهذا يعني أن الولايات المتحدة منتشرة في سوريا، وقواتها غير قادرة على أن تكون في كل مكان طيلة الوقت. وبالتالي، على الرغم من وجود مراكز مراقبة في معظم البلدات الحدودية مع تركيا، إلا أنها ليست مؤهلة دائمًا. ومن الواضح تمامًا أن لدى تركيا الوسائل اللازمة لمراقبة تحركات القوات الأمريكية في سوريا، مما يمنح أنقرة الفرصة للقيام بعملية توغل إذا قررت القيادة السياسية أن المكتسب تفوق المخاطر.

ورأى الكاتب أن المفاوضات المسدودة مع الولايات المتحدة بشأن شمال شرق سوريا قد تحفز على تنفيذ عملية تركية صغيرة محدودة على أجزاء من الحدود. في الواقع، فإن مثل هذه الخطوة سيكون لها معنى إستراتيجي بالنسبة لأنقرة، طالما كانت النية هي السيطرة بسرعة على تل أبيض، وهي بلدة حدودية، وربما كوباني. وبعد الاستيلاء على هاتين المدينتين، يمكن لأنقرة العودة، بعد ذلك، إلى الولايات المتحدة والمطالبة بمزيد من التنازلات. لن تكون هذه العملية واسعة كما هدد المسؤولون الأتراك، لكنها ستكون مُوجهة للضغط على واشنطن، وحتى المخاطرة بالانتقام من "قوات يوريا الديمقراطية" على طول الحدود بأكملها. قد يؤدي أي تصعيد من هذا القبيل إلى توجيه ضربات انتقامية تركية، مما يؤدي إلى بدء دورة تصاعدية قد تهدد القوات الأمريكية وتضغط على أنقرة لزيادة وجودها العسكري.

قبل أي عملية تركية، من المرجح أن يحاول أردوغان تحديد موعد لمكالمة مع ترامب، حيث سيصدر في النهاية إنذارًا نهائيًا للولايات المتحدة. وليس من الواضح كيف ستنتهي، ويمكن أن تحدد أنقرة أيضًا أن علاقة ترامب بأردوغان جديرة بالحفاظ عليها وأن التدخل الأحادي من شأنه أن يقوض العلاقة التي استثمرت أنقرة وتعتمد عليها في الحماية من العقوبات التي فرضها الكونجرس والتي ترتبط بشراء تركيا لنظام صواريخ روسي الصنع من طراز S-400.

يرتبط عدم اليقين هذا وعدم القدرة على التوصل إلى اتفاق مع تركيا بشأن معايير المنطقة الآمنة بالحقيقة  المتمثلة في أن الجانبين ليسا على استعداد لتقديم تنازلات بشأن المصالح الأساسية للأمن القومي في سوريا، حتى لو كان عدم التسوية يضمن استمرار التدهور في العلاقات.

ورأى الكاتب أن التوغل التركي سيكون له معنى إستراتيجي بالنسبة لأنقرة، لكنه يقوض الموقف الأمريكي في شمال شرق سوريا. والمواجهة بين "قوات سوريا الديمقراطية" وتركيا أمر لا مفر منه إذا عبرت أنقرة الحدود، وقد تحدث حتى لو اختارت أنقرة عدم التدخل.

ومن الصعب رؤية كيف يمكن للولايات المتحدة وتركيا التوصل إلى حل وسط في سوريا. ذلك أن "قوات سوريا الديمقراطية" هي المُمكَنة للعمليات القتالية الأمريكية في سوريا. وإذا اختارت إدارة ترامب البقاء في سوريا، فهذا يتطلب الدعم من قوة محلية. قوات "قسد" من الأطراف الفاعلة العدائية بتصورات مخالفة، هذه هي حقيقة الوضع. حل وسط يستلزم أن تكون أنقرة راضية عن الرؤية الأمريكية لـ"قوات سوريا الديمقراطية"، وهي خطوة بعيدة جدًا بالنسبة لأنقرة. والتسوية الأمريكية مع أنقرة تتطلب موافقة أنقرة على قبول قوات "قسد" طرفا شرعيا وليس جماعة إرهابية تلتزم قيادتها بمهاجمة تركيا.

والنتيجة النهائية، وفقا لتقديرات الكاتب، هي أن مهمة واشنطن الأساسية في سوريا قد تحولت، الآن، من العمليات القتالية إلى مجرد محاولة لمنع طرفين معاديين من إطلاق النار على بعضهما بعضا. وهذا ليس مكانًا جيدًا للتمركز فيه، ولا مهمّة مفتوحة مناسبة للجيش الأمريكي (أو حتى يجب القيام بها). يجب أن يدفع هذا الواقع واشنطن إلى تسريع جهودها لإنهاء هذا الصراع بشروط يمكن أن تقبلها، بدءًا من الاعتراف بأن أي جهد جاد لتخفيف الوجود الأمريكي سوف يستتبع محادثات مفتوحة مع روسيا.

في غياب حل وسط أوسع بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن الشكل الذي يمكن أن تكون عليه الدولة السورية في المستقبل، فإن المحادثات مع تركيا والأكراد ستتمحور حول أزمة اليوم، وستكون مرتبطة بـ"هل تنوغل أنقرة بريا هذا الأسبوع أو لا تتوغل؟ وهي الحلقة المفرغة التي شكلت العلاقات الأمريكية التركية الأخيرة.

** رابط المقال الأصلي: https://warontherocks.com/2019/08/the-crisis-is-coming-syria-and-the-end-of-the-u-s-turkish-alliance/

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر