آخر الأخبار

منع الصدام وفشل في "الانتقال": الغنوشي اختار "بورقيبية" السبسي على "ثورية" المرزوقي

2019-7-28 | خالد حسن منع الصدام وفشل في

ربما يكون الرئيس التونسي الراحل، السبسي، (أول رئيس منتخب مباشرة منذ ثورة 2011) الشخص الذي نزع فتيل الصدام بين الإسلاميين وأعدائهم، وربما يذكر له التاريخ هذا، وقد غادر قبل أقل من أربعة أشهر من انتهاء فترة ولايته. فقد هدَدت حالة الانكسار، في العام 2013، بانزلاق تونس إلى مستنقع المجهول، بعد عامين من سقوط نظام بن علي، والسبسي كان قادرا على منع حصول الأسوأ بإبرام اتفاق مع زعيم حركة النهضة، وتنازل الغنوشي عن السلطة، في 2013، وهو طرف سياسي قوي وشريك في حكومة ائتلافية، منعا لمصير شبيه بما آلت إليه ثورة مصر، وكان "راشد" مسكونا بهاجس انقلاب وتآمر الثورة المضادة، وانتخب السبسي رئيسا للجمهورية نهاية عام 2014، ورأى المرزوقي، أحد ملهمي الثورة ورفيق درب الغنوشي في النضال ضد الاستبداد والطغيان السياسي لسنوات طوال، تحالف النهضة مع نداء تونس، أن الغنوشي وقيادات النهضة خدعوه بتحالفهم، دون علمه، مع الباجي قائد السبسي، المنافس الوحيد له في الانتخابات، حينها، فكان التشاحن والنفور بينهما. وتمسك الغنوشي بالتوافق مع نداء تونس، أو النسخة المخففة من البوريقيبية، دفعا للتعفن السياسي وقطعا للطريق على المتربصين، في الداخل والخارج، وهذا تقدير الغنوشي واجتهاده السياسي.

لكن أثبت السبسي أنه غير قادر على تعميق المشروع الديمقراطي الذي حلم به أنصار ثورة 2011، فهذا الرجل، الذي جسد في نظر الأجانب الانتقال التونسي، هو أيضًا الشخص الذي نسف عملية "العدالة الانتقالية"، ومنع تونس من تسوية الحسابات القضائية للديكتاتورية. وهنا المعضلة أو العقدة والتناقض: عقل مخضرم من صنع نظام بورقيبة القديم (أكثر من بن علي)، كان من المفترض أن يدير عملية الانتقال الديمقراطي أو "الدمقرطة"، لم يُؤمن بها، يوما في حياته، ولم يتعامل مع مخاضها إلا تحت ضغط ثورة 2011 وما تلاها. ومصالحته مع إسلاميي النهضة لم يكن بدافع "الإديولوجبا"، وإنما أقرب إلى البراغماتية، وربما كان هذا صنيعه الظاهر الأبرز الذي يذكره التاريخ له..

الباجي السبسي (السياسي) أقرب إلى الدهاء، لم يكن ثوريا ولم يصادم الثورة، تكيف معها بخبرته، ولم يستهويه ماضيه ولا رغب في تكرار تجاربه السابقة، والغنوشي أقرب إلى التوافق الباهت والمرزوقي أقرب إلى منطق الحق والثورة... الغنوشي يبالغ في مراعاة موازين القوى، وكان يتحرك على وفقها ويحرص على مراعاتها وأن لا يتجاوزها، والمرزوقي لا يأبه بها كثيرا، وكلا الأمرين مُضرَ بالعملية السياسية في الزمن الثوري

أما رجوع "منظومة الحكم القديمة" وكسر شوكة الثورة، فتُلام عليهما النهضة، ربما، أكثر من أي طرف ثوري آخر، ورفقاء الدرب (الغنوشي والمرزوقي والجبالي) افترقوا، ربما إلى حين، ولكلَ وجهته ورؤيته وشخصيته. المرزوقي يقول عن الجبالي (تولى منصب رئيس الوزراء في ديسمبر 2011 بعد فوز حركة النهضة في انتخابات المجلس التأسيسي 2011)، إنه لا يصلح للسياسة، وبعض قادة النهضة يقولون عن المرزوقي إنه لا يُطاق سياسيا، والغنوشي ضاق صدره به، فتحالف مع النداء، وكان أن تونس ليست مهيأة للحسم وإنما لا نذيق إلا التوافق، والمرزوقي لا يعرف المراوغة وقليل الصلة بالبراغماتية وعلاقته فاترة مع منطق موازين القوى، ولا سيجيد المراوغة وصلابته أقوى من مرونته، ويلتزم ما يراه "حقا" وإن طال الطريق..

لكل زاويته في الرؤية، ولكل فلسفته ومنطقه، وهذه هي تونس ما بعد الثورة بلد الزوايا المتعددة، تجربة تستحق الاهتمام..

وفي المحصلة، فقد أثبت الراحل السبسي أنه غير قادر على تعميق مشروع "الانتقال الديمقراطي الحقيقي" الذي حلم به أنصار ثورة 2011.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر