دبلوماسية "الإذعان": تصرفات ترامب مُقيَدة برغبات نتنياهو وبن سلمان

2019-7-27 | خدمة العصر 	دبلوماسية

أدى استيلاء إيران على ناقلة نفط مملوكة لبريطانيا في المياه الخليجية إلى إطلاق جولة جديدة من ثرثرة الحرب الإعلامية. لكن هل يجب أن تحدث حرب خليجية أخرى، من المستفيد؟ ليس أمريكا. الموضوع الرئيسي للسياسة الأمريكية الحالية بشأن إيران هو الإذعان. من الناحية الاسمية، تُحدَد السياسة الأمريكية في واشنطن، ولكن من الناحية الموضوعية، تُرسم في الرياض والقدس، مع مراعاة مصالح الولايات المتحدة، فقط، في الحد الأدنى من النتيجة، وفقا لتقديرات الكاتب "أندرو باسيفيتش" (أستاذ فخري للعلاقات الدولية والتاريخ بجامعة بوسطن. تخرج من الأكاديمية العسكرية الأمريكية، وحصل على درجة الدكتوراه في التاريخ الدبلوماسي الأمريكي) في مقال نشرته المجلة البريطانية The Spectator.

لا أرجح أن الرئيس دونالد ترامب يلتزم بشدة بكل ما يصدر عن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. في الواقع، حرص كل من بن سلمان ونتنياهو على التظاهر بأن الولايات المتحدة هي الشريك الأكبر في العلاقات الثنائية بينهما. ومع ذلك، فمن الواضح أن الولايات المتحدة اليوم لن تتخذ أي إجراء فيما يتعلق بإيران التي يرى القادة السعوديون والإسرائيليون أنها مرفوضة.

كان سلف ترامب (الرئيس أوباما) هو الاستثناء الذي أكد هذه القاعدة. مثلت الصفقة النووية الإيرانية جهود باراك أوباما لاستعادة قدر من الحكم الذاتي في صياغة السياسة الأمريكية. اعترضت المملكة العربية السعودية وإسرائيل بشدة على مبادرته. منذ فترة وجيزة، بدا أوباما هو الغالب، وإن كان هذا ظاهريا. وقد أظهر نبذ ترامب لخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) من هم المنتصرون الحقيقيون.

في معظم التدابير، فإن الولايات المتحدة هي أقوى دولة على هذا الكوكب، وبالتأكيد تتمتع بقوة أكبر من إيران أو السعودية أو إسرائيل. ومع ذلك، في مثل هذه الظروف، لا تترجم القوة إلى حرية التصرف. من الناحية العملية، فإن خيارات السياسة المتاحة للولايات المتحدة في الخليج، وعلى نطاق أوسع، في المنطقة مقيدة بما يرغب القادة السعوديون والإسرائيليون في تحمله.

 هذا ليس بأي حال من الأحوال تطوراً حديثاً. قبل وقت طويل من ترامب، سقطت واشنطن في العادة بالسماح لكل من الرياض وإسرائيل بممارسة حق النقض، فعليا، في الأمور التي تطرقت إلى ما اعتبروه مصالحهم المهمة الخاصة. كما يتضح من دعم الولايات المتحدة لحرب بن سلمان، التي لا معنى لها، والتي لم تنجح في اليمن، وكذا تجاهل إدارة ترامب الفعلي لحل الدولتين، فإن هذا الميل لا يزال قائماً بثبات اليوم. بكل بساطة، مع قيام كل من بن سلمان ونتنياهو بتصنيف إيران على أنها تهديد وجودي، أصبح من واجب واشنطن أن تفعل الشيء نفسه.

لقد شاهدنا هذا الفيلم من قبل في كوبا مع فيدل كاسترو (كما هو اليوم مع إيران وخامنئي)، فعندما أطاح كاسترو بنظام فولجنسيو باتيستا الفاسد، ولكن المرغوب أمريكيا، في عام 1959، حوّل كوبا من محمية أمريكية وملعب إلى مشكلة. وانطلاقا من هوس الحرب الباردة الشديدة المناهضة للشيوعية، أصرَت إدارتا دوايت أيزنهاور وجون كينيدي على معاملة كوبا الثورية باعتبارها تهديدًا خطيًا لأمن الولايات المتحدة ونصف الكرة الغربي بأكمله. لم يحدث هذا تغييرا في النظام في هافانا ولم "تتحرر" كوبا، لتعود إلى وضعها الاستعماري الفعلي. وأدى هذا الدافع في وقت قصير إلى كارثة مذلة في خليج الخنازير، وإلى محاولات متهورة وغير ناجحة من قبل وكالة المخابرات المركزية لاغتيال كاسترو، وأخيرا إلى أزمة الصواريخ في أكتوبر 1962. في بداية الهاوية، قرر جون كنيدي في الوقت المناسب أن يمكن للولايات المتحدة في النهاية أن تتسامح مع وجود نظام كاسترو، وأصبحت كوبا وظلت على مدى عقود، بعد ذلك، مجرد إزعاج.

ورأى الكاتب أن هوس واشنطن الحالي بإيران، بما يشبه هوسها بكوبا قبل ستة عقود، يمكن أن يؤدي إلى سوء تقدير مشابه للحساب الذي أوصل الكوكب إلى شفا الحرب النووية في عام 1962، وهو أمر لا يتجاوز نطاق الإمكانية. لا أقصد أن ترامب نفسه يعتزم بوعي الإطاحة بالملالي، على الرغم من أن لا شيء يرضي الحكومتين السعودية والإسرائيلية أكثر من هذا، فالخطر اليوم لا يتمثل في الاندفاع الناجم عن الأيديولوجية، ولكن الأخطاء التي تسببها فقدان الكفاءة المريع.

عند تقييم منهج ترامب في فن الحكم، يقول الكاتب (يُستخدم مصطلح "النهج" بشكل فضفاض نظرًا لأنه ينطوي على قدر من التماسك والاتساق)، من الضروري أن نضع في الاعتبار ثلاثة أشياء: أولاً، نادراً ما يتطابق العمل مع الخطب. ترامب يتحدث بصوت عالٍ، لكن نادراً ما يعمل بما يقول، إذ بمجرد إطلاق تهديدات "النار والغضب" العنيفة، يطويها النسيان.. ثانياً، يمكن أن يحدد مدى انتباه الرئيس والسهولة التي يصرف بها الانتباه ما قد يحدث بعد ذلك.

فمبادرات السياسة التي يعلن عنها بجعجعة كبيرة تؤدي إلى خطوة للأمام تليها خطوة (ربما خطوتين) للخلف، والخطوات التالية تضيع في خضم تغريدات عديدة. وهناك أمثلة كثيرة على هذه الظاهرة: الناتو، والتجارة مع الصين، وإنهاء الحرب في أفغانستان، وانسحاب القوات الأمريكية من سوريا وأمن الحدود، وإيران نفسها. فالمتابعة ليست واحدة من نقاط قوة هذا الرئيس.

أخيرًا، من الصعب معرفة من المسؤول حقًا. يتيح أسلوب إدارة ترامب، (يُستخدم المصطلح، مرة أخرى، بشكل "فضفاض") مجالاً واسعاً للمناورة من قبل المرؤوسين المتمردين. وهنا، يتساءل الكاتب: فهل لدى الولايات المتحدة سياسة محددة تجاه إيران؟ إذا كان الأمر كذلك، فمن المفترض أنها تركز على فرض "أقصى قدر من الضغط" على طهران، وبالتالي إجبارها على الامتثال "لمطالب 12" التي وضعها وزير الخارجية، مايك بومبو، في مايو من العام الماضي. ولكن هذا تمرين في الغطرسة وليس الدبلوماسية الجادة، إذ إن إنذار بومبيو سيكون بمثابة التخلي عن السيادة الإيرانية، ولن يحدث ذلك.

في الواقع، تنازلت إدارة ترامب عن المبادرة الدبلوماسية إلى إيران. بعد تكرار ذلك، شرعت طهران الآن في حملة محسوبة من الأعمال الاستفزازية. فبعد فترة التزمت خلالها بشروط JCPOA على الرغم من إلغاء أمريكا لها، بدأت طهران الآن في حملة محسوبة من الأعمال الاستفزازية. والغرض الواضح من هذه الاستفزازات هو إقناع أوروبا بأنه من المنطقي إنهاء العزلة الاقتصادية لإيران بدلاً من رؤيتها تستأنف جهودها المزعزعة للاستقرار لاقتناء الأسلحة النووية.

 بريطانيا والدول الأوروبية الأخرى لا تريد الحرب، وهو أمر لا يمكن أن يقال مع أي ضمان لجناح إدارة بولتون المتشدد من إدارة ترامب. بالنسبة لطهران، فإن تفاقم خطر واشنطن أكبر بكثير من إزعاج لندن، حيث من المرجح أن تعرض الحكومة البريطانية تخفيف العقوبات. والصقور في إدارة ترامب وفي مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية، المحببة من أمثال بن سلمان ونتنياهو، سوف يستخدمون استعادة البرنامج النووي الإيراني ذريعة للحرب، مما يساعد على تركيز العقول الدبلوماسية في لندن وباريس وبرلين، ناهيك عن طوكيو وموسكو وبكين.

وبالتالي، وفقا لتقديرات الكاتب، فإن الوضع خطر. وحان الوقت لتقدير فن الصفقة. سيتطلب ذلك بعض الترتيبات التفاوضية التي تفي بالمتطلبات الدنيا لجميع الأطراف المعنية. وقد فعل اتفاق JCPOA ذلك بالضبط، وعندما يتعلق الأمر بالقوى الرئيسية في العالم، فإن السعودية وإسرائيل والمعارضة اليمينية الأمريكية وحدها هي المعارضة. ويرى (الكاتب) أن تنشيط أو استبدال JCPOA يشكل تحديات هائلة، تزداد قوتها مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020.

** رابط المقال الأصلي: https://spectator.us/america-iran-policy-riyadh-jerusalem/


تم غلق التعليقات على هذا الخبر