تحجيم العسكر بدلا من التصفيق لصراعاتهم: الثورة في السودان ليست طرفا في المعركة بين بقايا النظام

2019-7-25 | تحجيم العسكر بدلا من التصفيق لصراعاتهم: الثورة في السودان ليست طرفا في المعركة بين بقايا النظام

بقلم: حليم عباس / ناشط ومدون سوداني

مظاهرات الالتزام بإعلان الحرية والتغيير هي أول مظاهرات منذ اندلاع الثورة ليست متوجهة ضد النظام ولا ضد المجلس العسكري، وإنما ضد قوى الحرية والتغيير نفسها. ونعرف أن المظاهرات دُعي إليها بسبب الأخبار التي تتكلم عن محاصصة في السلطة، وليس بسبب أي بند من بنود الإعلان كقضية السلام مثلا.

تبنى قوى الحرية والتغيير لهذه المظاهرات لا معنى له، وهو أيضا شبيه بالحكاية التي رويتها عن مؤلف المسرحية الرديئة التي ثار ضدها الجمهور فثار هو أيضا مع الجمهور ضد مسرحيته. على الأقل، كان يجب عليكم أن تتركوا الشارع يقول كلمته ثم تقولوا له سمعا وطاعة، لا أن تستمروا في لعب دور القيادة والتوجيه للشارع حتى حينما يحتج عليكم. دعوة قوى الحرية لمظاهرات الالتزام بإعلان الحرية والتغيير أمر مضحك ولا يقل سخرية عن طلب حميدتي للجمهور بالهتاف "مدنياااو".

وأما ما يحدث داخل الجيش، فهو اعتقال جزء من بقايا النظام السابق في الجيش بواسطة بقايا النظام السابق، وفيه ناس فرحة باعتقال بقايا النظام السابق. وقائد المدرعات قبل يومين كان بمثابة المهدي المنتظر للثورة لأنه تصدى لحميدتي. واليوم بعد أنباء الاعتقالات أصبح من ضمن الفلول وبقايا النظام؟ يعني لو حميدتي كان اعتقل المدفعية عطبرة، وقال للناس هؤلاء من بقايا النظام، ستجد في الناس من يصفق له.

الوحدة الوطنية والتوافق السياسي الشامل هو صمام الأمان ضد الانقلابات وضد تمكن العسكر في السلطة. وحالة السيولة السياسية التي نعشيها الآن لو استمرت طويلا ستؤدي ليس لانقلابات وصراعات داخل الأجهزة العسكرية وفيما بينها، وإنما إلى نسف وحدة البلاد الهشة أساسا.

يجب التسريع بالاتفاق السياسي و تكوين السلطة الانتقالية بأوسع توافق سياسي ممكن. وأما أن يتصارع العساكر فيما بينهم، فهو ترسيخ لمبدأ صراع القوى بمعزل عن أي مشروعية سياسية، وهذه بداية الفوضى.

إذا كانت هناك إعادة هيكلة للجيش أو إبعاد لبعض الضباط التابعين للحركة الإسلامية داخل الجيش، فيجب أن يتم ذلك ضمن مشروعية سياسية وطنية واضحة ومفهومة، وليس مجرد تصفية حسابات لمصلحة عصابة فاسدة ومستبدة جديدة تتحكم برقاب الشعب لسنوات قادمة.

ولا يُمكن التصدي لهذه الفوضى من دون وجود سلطة مدنية قوية وتوافق سياسي واسع حولها. وإذا استمرت القوى السياسية في صراعاتها الصغيرة، فإنها قد تجد نفسها، فجأة، وسط صراع تكون فيه محصورة في موقع المتفرج. ونحتاج بدلا من التصفيق لصراعات لا نعرف عنها شيئا أن نعمل بجدية على تحجيم دور العساكر. وذلك عن طريق اتفاق سياسي بين كل القوى السياسية من أقصاها إلى أقصاها على إبعاد العسكر من السياسية وخضوع المؤسسات العسكرية لإرادة ولسلطة الشعب.

والمجلس العسكري يعمل على استعادة الشرعية الثورية التي فقدها بعد فض الاعتصام. واعتقال رموز المؤتمر الوطني وضرب الحزب والحركة الإسلامية سيكون بمثابة قطيعة مع النظام السابق وابتعاد عنه. والتأييد والترحيب الذي يجده المجلس العسكري من ضرب حزب المؤتمر الوطني سيصب في صالح تقويته في مواجهة قوى الحرية والتغيير وسائر القوى المدنية.

هذه المعركة بين بقايا النظام السابق لا ناقة للشعب ولا للثورة فيها ولا جمل. والأفضل أن تعمل القوى السياسية على حسم خلافاتها والتوحد سياسيا من أجل مواجهة خطر تمكُّن العسكر من السلطة.

والصراع داخل الأجهزة العسكرية لا يضعف الأجهزة العسكرية لوحدها، وإنما يضعف الدولة بكاملها ويهدد وحدة البلاد. واستمرار حالة السيولة السياسية الحالية سيؤدي إما إلى تكريس سلطة عسكرية مستبدة وربما إلى تفكك وحدة البلاد.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر