رغم استيائه الشديد من حكومة الأسد: المجتمع العلوي يرى أن أي تهديد للنظام هو تهديد، حتما، للطائفة نفسها

2019-7-24 | خدمة العصر رغم استيائه الشديد من حكومة الأسد: المجتمع العلوي يرى أن أي تهديد للنظام هو تهديد، حتما، للطائفة نفسها

كتبت الباحثة الإسرائيلية، إليزابيث تسوركوف، مقالا طويلا عن المجتمع العلوي في زمن الحرب في سوريا.

"هناك نسبة صغيرة من العلويين الذين استفادوا من الحرب، ولكن الغالبية العظمى هم فقراء وجياع"، أخبرتني لبنى، البالغة من العمر تسعة وخمسين عامًا، كاشفة: "المجتمع العلوي يتحمل ألمًا غير مسبوق وحرمانا. لا يمكنك حتى سماع ضحك الطفل، فالأحياء بأكملها ليس بها شباب. الفقر والألم والجوع في كل مكان". لبنى عضو في طائفة العلويين الصغيرة غير المتجانسةـ التي تهيمن على المراتب العليا في القيادة المدنية والعسكرية السورية، بما في ذلك أسرة الأسد الحاكمة. تعيش "لبنى" بالقرب من مسقط رأس بشار الأسد، قرداحة.

يُشار إلى العلويين على أنهم "موالون" لنظام الأسد، لكن المقابلات التي أجريتها عن بُعد على مدار الأشهر القليلة الماضية مع أفراد من هذا المجتمع المغلق، وكذلك مع السنة الذين يعيشون جنبًا إلى جنب معهم، تقدم صورة أكثر تعقيدًا. تكشف المقابلات مع العلويين عن استيائهم الشديد من حكم حكومة الأسد، لكن هذا الاستياء يخففه الاعتقاد السائد بأن أي تهديد للنظام وأعوانه سيصبح حتماً تهديدًا للطائفة نفسها.

كان العلويون يشكلون حوالي 10٪ من سكان سوريا قبل الحرب. عندما واجهوا انتفاضة سلمية تحولت بسرعة إلى حرب أهلية دامية، وضع أفراد الطائفة مخاوفهم بشأن فساد النظام والقمع الديكتاتوري جانباً وتجمعوا لإبقائه في السلطة. اليوم، يقوم المجتمع العلوي بتقييم موقعه بينما تتجه الحرب نحو نهاية مريرة، ويجدون أنفسهم، اسمياً على الأقل، إلى جانب المنتصر. لكن هذا النصر جاء بتكلفة هائلة.

لقد أدى اعتماد النظام الشديد على العلويين في وحدات الجيش والميليشيات التي تم إرسالها إلى الخطوط الأمامية، إلى جانب الحجم الصغير نسبياً للمجتمع، إلى خسائر غير متناسبة في شباب الطائفة. في الوقت نفسه، فإن غلبة الطائفة في الجيش (إلى جانب الفظائع التي ارتكبها بعض مقاتليه، وفي في بعض الأحيان أمام الكاميرات) قد شوهت كل العلويين السوريين. بالإضافة إلى ذلك، عزز الفساد والربح الحربي، اللذان استفاد منهما بشكل رئيسي كبار ضباط النظام وعملاء المخابرات (الشرطة السرية)، الذين هم إلى حد كبير من العلويين، صورة العلويين على أنهم فاسدون وانتهازيون وأثرياء في نظر السنة. يدرك العلويون تمامًا هذه الصورة ويسارعون في رفضها.

كثير من شباب المجتمع العلوي، الذين تم استدعاؤهم وإلزامهم بالخدمة في الجيش بأعداد كبيرة، قُتلوا أو جُرحوا. بسبب الأضرار التي لحقت باقتصاد البلاد من جراء الحرب وفساد النظام المتفشي والعقوبات الاقتصادية الأمريكية، تعيش أغلبية ساحقة من المجتمع في فقر أسوأ حالا مما كانوا عليه قبل عام 2011. تدهورت العلاقات بين العلويين والأغلبية السنية بشكل كبير، ونتيجة لذلك، زاد شعور العلويين بعدم الأمان. بالإضافة إلى ذلك، فإن القوات الأجنبية ا تتمتع الآن بنفوذ كبير على سوريا. ينظر بعض العلويين إلى بعض تلك المصالح، وخاصة مصالح إيران، على أنها تتعارض مع الحفاظ على مجتمعهم على المدى الطويل.

بعد أن استولى والد بشار، حافظ الأسد، على السلطة عام 1970، بعد عقود من الاضطرابات السياسية في سوريا وانقلابات متكررة، عمل على استقرار النظام وتحصينه. كانت إحدى الخطوات التي اتخذها هي تطهير أي شخص بدا غير مخلص، وتشكيل نواة من النظام تتكون إلى حد كبير من ضباط علويين وأقارب الأسد. ساد هذا النظام للأربعين سنة القادمة. في العقد الذي سبق انتفاضة 2011، كان حوالي 87 في المائة من كبار ضباط الجيش السوري، مثل قادة الفرق، من العلويين. يسيطر العلويون على مختلف فروع المخابرات، وكذلك جميع الوحدات العسكرية وميليشيات النخبة.

وفقًا للباحث الأمريكي هشام بو ناصيف، الذي أجرى مقابلات مع العشرات من الضباط السنة في الجيش السوري في عام 2014، فإنه "منذ أوائل الثمانينيات، كان العلويون يشكلون ما بين 80 إلى 85 في المائة من كل مجموعة جديدة تتخرج من الأكاديمية العسكرية".

في مواجهة تحدٍ خطير لاحتكاره للسلطة من عام 2011 فصاعداً، سعى نظام الأسد إلى ضمان ولاء أو حياد الأقليات السورية. قبل الحرب والتغيرات الديمغرافية التي أحدثتها، كان حوالي 65٪ من سكان سوريا البالغ عددهم 21 مليون نسمة من العرب السنة، و10٪ من الأكراد السنة، و10٪ أخرى من العلويين، وحوالي 5٪ كانوا من المسيحيين. لضمان ولاء قاعدة الأسد، المجتمع العلوي، استخدم النظام أساليب عديدة من التخويف والترويع ودفع نحو عسكرة الانتفاضة، رغم أنه في تلك المرحلة، لم يكن هناك ثوار مسلحون.

ومعظم العلويين، الذين نشأوا على رواية مجتمعية عن الضحية والاضطهاد على مدار تاريخ الطائفة، تم إقناعهم بسهولة بفكرة التهديد السني. كما إنهم يتذكرون الثورة المسلحة للإخوان المسلمين في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات. وفي الأشهر الأولى من الانتفاضة السورية عام 2011، كانت المعارضة غير مسلحة وبذلت جهداً واعياً للتواصل مع الأقليات، بما في ذلك العلويون. شاركت بعض وفود العلويين في الاحتجاجات، لكن مع مرور الوقت ظل كثير من المجتمع العلوي صامتا، في وقت تولت فيه مجموعة مكشوفة من الجنود والميليشيات بسحق الاحتجاجات والسجن والتعذيب وقتل الآلاف من المحتجين والناشطين. ومن خلال نشر شباب علويين لقمع الاحتجاجات، ورَط النظام المجتمع العلوي في جرائمه. وقد ساعد ولاء الطائفة العلوية، التي تحملت العبء الأكبر من القتال نيابة عن النظام، إلى جانب المساعدة الحاسمة من إيران وروسيا، في إنقاذ النظام من الانهيار.

ويشير نزار محمد، الباحث السوري من أصل علوي من جبلة إلى الخسائر الهائلة التي لحقت بالعلويين، قائلا: "لقد رأى النظام أن المجتمع العلوي هو كبش الفداء الذي لم يكن أمامه خيار سوى القتال إذا أراد النجاة من الهاوية التي دفعهم إليها". لقد حولت الحرب المجتمع العلوي إلى أرقام بطرق عديدة. وأكثرها عمقا ووضوحا لمجتمع يبلغ عددهم حوالي مليوني شخص هو حجم فقدان الرجال في سن الخدمة العسكرية. توقف النظام السوري عن نشر إحصائيات بشأن الإصابات في صفوفه في وقت مبكر من الحرب، لكن غريغوري ووترز، الباحث في مركز حقوق الإنسان بكلية بيركلي للقانون، يقدر أن عشرات الآلاف من الرجال العلويين قُتلوا في المعارك من أجل النظام، وأصيب عشرات الآلاف بجروح خطرة.

وعلى الرغم من تمثيل العلويين في النخبة الحاكمة، إلا أن هذا لا يُترجم إلى أي تخفيف ملموس لظروفهم المحرومة عمومًا. أولئك الذين تربطهم صلات بالعائلة الحاكمة، سواء من خلال التعاملات القبلية أو التجارية، أغنياء، وأما معظم العلويين فيعيشون في قرى متخلفة. فقدت المناطق الريفية كثيرا من شبابهاـ وكل عائلة تعلق صور فقيدها، ويمكن عدَ ما لا يقل عن عشرة إلى خمسة عشر فقيدا في كل حي في كل قرية. كما أثرت الحرب في الصحة العقلية للمجتمع. وفقاً لطارق، أحد المحاربين القدامى في الجيش السوري وقوات الدفاع الوطني، فإن تعاطي المخدرات والكحول شائع بشكل خاص بين الأشخاص الذين يعانون من إعاقات عقلية وجسدية نتيجة للحرب. وأصبح استخدام الحشيش والكابتاغون منتشراً في جميع أنحاء سوريا في أثناء الصراع، لكن الكحول أصبح أكثر سهولة وأكثر تعاطياً في المنطقة الساحلية التي تسيطر عليها الحكومة، وقالت "لبنى" إن الإدمان والانتحار أصبحا مرضين مزمنين.

وعلى الرغم من أن نظام الأسد لا يزال يسعى إلى إعادة السيطرة الكاملة على البلاد، إلا أن هناك الآن في المجتمع العلوي من هم منفتحون على فكرة التقسيم، أو الاتحاد، على أساس طائفي. وقد ضمن نظام الأسد بقاءه، أخيرًا، بالتدخل العسكري لروسيا وإيران (من خلال الميليشيات التابعة لها). وأعضاء الطائفة العلوية، الذين يربطون بقاءهم إلى حد كبير ببقاء النظام، ممتنون للتدخل ويعترفون بضرورته. وفي الوقت نفسه، يبدو أنهم قلقون بشأن الوجود طويل الأجل لهذه القوات في البلاد، ويغذون الأمل في أنه بمجرد تأمين انتصار النظام، فإن المقاتلين الأجانب سيغادرون. وفي هذا، قال حسين، الناشط الموالي للنظام، إنه يدعم الوجود الروسي طويل الأجل ضامنا أمنيا، مضيفا: "لقد كانت روسيا هنا دائمًا، يعود وجودها في الساحل إلى السبعينيات. الروس هم القنبلة النووية للعلويين، بمعنى هم ردعنا".

ومع ذلك، يختلف الموقف تجاه إيران اختلافًا صارخًا، ومعظمه بسبب المخاوف بشأن الطبيعة الثيوقراطية للنظام في طهران. وتنقل الكاتبة عن سياسي علوي عمل في منصب رفيع في الحكومة السورية قبل الحرب ويعيش الآن في المنفى: "قبل التدخل الروسي، كان العلويون قلقين جدًا من النفوذ الإيراني وكانوا سعداء بتدخل الروس العلمانيين. وكان "ليث"، ضابط المخابرات، صريحًا: "لا نريد إيران أو حزب الله، ولا نريد الإسلام السياسي. إنهم ليسوا مثلنا ...".

قضى نظام الأسد سنوات بنجاح في ترويع معظم المجتمعات الثائرة في سوريا لإخضاعها من خلال التفجيرات العشوائية، وهجمات الأسلحة الكيميائية، وعمليات الإعدام الجماعي في السجون، وحصار التجويع، وتشريد السكان. وعلى الرغم من خسائره الهائلة وإحباطه العميق، فإن المجتمع العلوي، وهو ركيزة استقرار النظام، لن يتمرد عن حكامه.

** لقراءة التقرير كاملا: https://www.nybooks.com/daily/2019/07/22/between-regime-and-rebels-a-survey-of-syrias-alawi-sect/

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر