ظريف: "نحن نردَ دائما"... إستراتيجية "العين بالعين" الإيرانية في الخليج

2019-7-20 | خدمة العصر ظريف:

في 4 تموز (يوليو) 1982، كما كتبت المحررة في مجلة "نيو يوركر"، روبت رايت، أوقفت سيارة تحمل لوحات دبلوماسية تحمل مبعوثين إيرانيين كبار خارج بيروت على أيدي أفراد من الميليشيا المسيحية اليمينية. وكان من بين الركاب الأربعة أحمد متوسليان، الملحق العسكري في سفارة إيران بلبنان ومقاتل معروف في حرب إيران على العراق. كما أشرف على نشر أكثر من ألف من الحرس الثوري الإيراني، ردًا على غزو إسرائيل للبنان قبل أربعة أسابيع.

تلوم إدارة ترامب إيران على التوترات الأخيرة، بما في ذلك الهجمات على ست ناقلات أجنبية خارج مضيق هرمز، في خليج عمان. في 20 يونيو، أسقطت إيران طائرة أمريكية من دون طيار بصاروخ أرض جو. زعمت أن الطائرة من دون طيار، وهي غلوبال هوك، واحدة من أكبر الطائرات في الأسطول الأمريكي، كانت في المجال الجوي الإيراني، واستُردَت أجزاء كبيرة منها في المياه الإيرانية.

عُثر على سيارتهم مهجورة في وقت لاحق. ناشدت إيران التحرك الدولي، خاصة ضد الميليشيات المسيحية وحلفائها من الولايات المتحدة وإسرائيل، للعثور على الرهائن الإيرانيين. لم يحدث شيء. في 19 يوليو، اختطف مسلحون ديفيد دودج، القائم بأعمال رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت، من الحرم الجامعي. كان "دودج" أول رهينة أمريكي في بيروت، وأمضى سنة بالضبط في سجن إيراني. تدخلت سوريا للمساعدة في تحرير "دودج"، وهذا جزئياً لكسب التأييد للولايات المتحدة في لحظة ضعف دمشق.

وكان هذا الفعل ورد الفعل بين إيران والولايات المتحدة بداية لسلسلة الرهائن، كما طبع إستراتيجية إيران الثورية في التعامل مع ما تعتبره تهديدات. وهنا، نقلت الكاتبة عن وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، يوم الخميس في نيويورك: "نحن نرد دائمًا". وقال إن الدرس هو أن "لا تلعب مع إيران".

منذ 3 مايو، واجهت الولايات المتحدة جولة أخرى من التوترات مع إيران. الدولتان مرة أخرى في حلقة اضطراب مثيرة للقلق. في يوم الخميس، دمرت البحرية الأمريكية طائرة إيرانية من دون طيار فوق مضيق هرمز ذي الأهمية الإستراتيجية، حيث يُشحن ما يقرب من ثلث النفط المنقول بحراً في العالم عبر المضيق، وبعضه يقع داخل المياه الإيرانية. وفي يوم الجمعة، أعلن الحرس الثوري الإيراني عن مصادرة ناقلة نفط ترفع العلم البريطاني تبحر في الخليج لفشلها في الامتثال "للقوانين واللوائح البحرية الدولية".

وتأتي الأزمة الأخيرة في الخليج بعد الاستيلاء البريطاني على ناقلة إيرانية قبالة جبل طارق في الرابع من يوليو. إذ ادعت بريطانيا أن السفينة كانت تنقل النفط إلى سوريا في انتهاك للعقوبات الأوروبية. وجاءت الإجراءات الإيرانية عقب قرار قضائي صدر يوم الجمعة في جبل طارق، وهو إقليم تابع لبريطانيا، بتمديد احتجاز الناقلة لمدة ثلاثين يومًا أخرى.

تصاعدت التوترات بشكل خطر بين إيران والغرب وربما تهدد أمن ناقلات تصدير النفط عبر المضيق. على عكس الولايات المتحدة، استمرت بريطانيا حتى الآن في احترام الاتفاق النووي لعام 2015، وحاولت التوسط في صفقة من شأنها التحايل على العقوبات الأمريكية العقابية على إيران.

ومع ذلك، من وجهة نظر إيران، بدأت دورة التوترات الحالية من قبل ترامب، في مايو من العام الماضي، عندما سحب الولايات المتحدة من صفقة نووية تاريخية بوساطة من القوى الست الكبرى في العالم وإيران -بعد عامين من الدبلوماسية الشاقة- في منتصف 2015. في نوفمبر، أعاد فرض العقوبات الاقتصادية التي رفعها تحفيزا لإيران للحد من برنامجها النووي المثير للجدل. وتعهدت الإدارة الآن بقطع جميع صادرات النفط الإيرانية لإجبارها على تقديم المزيد من التنازلات بشأن برنامجها النووي ودعمها لوكلائها، وتطوير الصواريخ، والتدخل في المنطقة. وردت إيران بالتعهد بأن الآخرين سوف يعانون إذا لم يُسمح لها بتصدير النفط، وهو أمر مهم لاقتصادها.

وقالت الكاتبة إنها أزمة الدجاج والبيض بين البلدين. لقد كان للتفاعلات نفسها، مراراً وتكراراً، تأثير في مواجهات إيران مع الخصوم الإقليميين والدوليين منذ ثورة 1979. وبعض هذه النزاعات مستمرة، وأضاف كل منها طبقة تزيد من تعقيد الحل والتسوية.

في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، استمرت إيران في المطالبة بالحرية لدبلوماسييها المفقودين. وفي الوقت نفسه، ظل الأميركيون يختفون في شوارع بيروت. يعتقد كثير من المسؤولين الأمريكيين أن الوكلاء الإيرانيين كانوا ينفذون عمليات الاختطاف. في عام 1988، عرض علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الرئيس القوي، حينها، للبرلمان الإيراني، مقايضة: مبادلة الإيرانيين الأربعة بالرهائن الأمريكيين التسعة في لبنان. وفي عام 1990، التزم الرئيس جورج الأب بالمساعدة في تحديد مكانهم.

كانت إستراتيجية إيران "العين بالعين" واضحة في حربها المستمرة منذ ثماني سنوات مع العراق. في عام 1981، فتح الرئيس العراقي صدام حسين جبهة جديدة بشن غارات جوية على ناقلات إيرانية في الخليج. في عام 1984، ذهب بعيدا، حيث ضرب جزيرة "خرج، وهي محطة النفط الإيرانية الرئيسية في الخليج، وعديد من الناقلات.

إيران، التي كُبحت، بدأت في المضاربة. أصبحت "حرب الناقلات" تهديدًا للطاقة الدولية. تعهدت الولايات المتحدة بحماية السفن التي تنقل نفط صدام حسين بثمن. في عام 1987، قصفت الطائرات الحربية العراقية عن طريق الخطأ الفرقاطة الأمريكية "يو اس‌ اس ستارك" عندما كان في دورية في الخليج نيابة عن العراق. قتل سبعة وثلاثون بحارا أمريكيا. بحلول نهاية الحرب، في عام 1988، كان العراق قد ضرب أكثر من مائتين وثمانين ناقلة إيرانية. واستهدفت إيران مئة وثمانية وستين ناقلة تتعامل مع العراق أو مع حلفائه العرب في الخليج. ونمط اللعب نفسه في أثناء ما يُسمَى حرب المدن. توقع صدام انتصارًا عسكريًا سريعًا ضد إيران. ومع استمرار الحرب، بدأ العراق يستهدف المدن الإيرانية خارج الخطوط الأمامية، مثل طهران وأصفهان وشيراز وتبريز.

وردَت إيران بالمثل. بحلول عام 1988، أطلق العراق أكثر من خمسمائة صاروخ على المناطق المدنية. وأطلقت إيران مائة وسبعة عشر صواريخ سكود على المدن العراقية، ولا سيَما بغداد وكركوك والبصرة. مات مئات الآلاف على جانبي الصراع. في المجموع، كان هناك أكثر من مليون ضحية.

أخبرني ظريف هذا الأسبوع: "إننا نقول: قد تبدأ حربًا، لكنك لن تكون أنت من ينهيها". وقد تكرر هذا النمط في خلال التدخل الأمريكي في أفغانستان، بعد هجمات 11 سبتمبر عام 2001، والغزو الأمريكي للعراق عام 2003. نظرت طهران إلى نشر عشرات الآلاف من القوات الأمريكية على حدودها الغربية والشرقية تهديدا لأمنها.

ففي كلا البلدين، ذُكر أن إيران قدّمت العتاد بوكلائها كنوع من الضغط لإجبار الولايات المتحدة على الانسحاب. وزعمت إدارة ترامب أن إيران كانت مسؤولة عن مقتل أكثر من ستمائة أميركي في العراق.

في التعامل مع إيران، يكمن التحدي في إيجاد المفتاح لكسر دائرة سياسة "العين بالعين". للإيرانيين تاريخ طويل وذكريات طويلة. وقال ظريف في الجلسة الثانية التي حضرتها مع مجموعة صغيرة من الصحفيين يوم الخميس الماضي: "سنبقى على قيد الحياة، سنزدهر بعد فترة طويلة من رحيل الرئيس ترامب...فُسحات الوقت لدينا تُقاس بآلاف السنين"

حتى مع تصاعد التوترات، يبدو أن اللاعبين الرئيسيين في كل من واشنطن وطهران مهتمون بمنع الحرب. ذكرت صحيفة "بوليتيكو" هذا الأسبوع أن الرئيس وافق (خلال لعبة غولف في عطلة نهاية الأسبوع) على اقتراح من السناتور راند بول من كنتاكي، لمقابلة ظريف في زيارته للأمم المتحدة. لقد ابتعد ترامب عن مشورة الصقور، ولا سيَما من مستشار الأمن القومي، جون بولتون، الذي كان قد دافع عن تغيير النظام في طهران قبل توليه منصبه الحالي في البيت الأبيض. ظريف، الذي تلقى تعليمه في الولايات المتحدة، يجتمع عادة إلى الأعضاء الحاليين والسابقين في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب في زياراته للأمم المتحدة. في يوم الخميس، أقر بأنه التقى مرة أخرى بأعضاء الكونغرس، لكنه رفض ذكر أسماء.كما امتدح الرئيس ترامب في لفتة نادرة، قائلا: "أعتقد أننا كنا على بعد دقائق قليلة من الحرب بعد أن أسقطت إيران طائرة أمريكية من دون طيار الشهر الماضي... سادت الحكمة، ونحن لا نقاتل. وهذا يمنحنا سببا لأن نكون متفائلين. إذا عملنا، إذا كنا جادين، فيمكننا إذن إيجاد طريق للمضي قدمًا".

وعرض ظريف الخطوط العريضة لاتفاق إنهاء المأزق الدبلوماسي. ستكون إيران على استعداد للتوقيع على البروتوكول الإضافي، الذي يوفر للوكالة الدولية للطاقة الذرية المزيد من الأدوات للتحقق من استخدام إيران السلمي للمواد النووية. سيوفر طريقة لمعالجة المخاوف بشأن ما يسمى "شروط الغروب" في الاتفاق النووي لعام 2015 الذي يرفع القيود المفروضة على برنامج إيران. وقال إنه في المقابل، سترفع الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية عن إيران، حتى لو لم توقع مرة أخرى على الاتفاق النووي الأصلي. في الواقع، فإن الترتيبات الجديدة ستحل محلها.

ومع ذلك، لا يغطي اقتراح إيران القضايا الأخرى التي تريد إدارة ترامب معالجتها: دعم طهران للحركات التي تراها متطرفىة، والتدخل في المنطقة واختبارات الصواريخ..

** رابط المقال الأصلي: https://www.newyorker.com/news/our-columnists/irans-eye-for-an-eye-strategy-in-the-gulf


تم غلق التعليقات على هذا الخبر