صفقة صواريخ S-400 الروسية معضلة أمريكا أكثر من تركيا

2019-7-16 | خدمة العصر صفقة صواريخ S-400 الروسية معضلة أمريكا أكثر من تركيا

قد لا تعني صفقة الصواريخ الروسية تخلي أنقرة بشكل كلي عن أمريكا، وهو ما لا تقوى عليه اليوم ولا ترغب فيه. بدلاً من ذلك، هي تحاول ترك مسافة بينها وبين واشنطن في صراعات المنطقة، والبروز كقوة صاعدة إقليمياً يُحسب لها حساب، كما رأى مراقبون. فضلاً عن ذلك، كما كتبت صحيفة "القدس العربي"، تحتاج تركيا إلى أجهزة غير تابعة لحلف الناتو لحماية نفسها ضد الانقلابيين في المستقبل، بمعنى "لو أُرسلت طائرات إف 16 لقصف أنقرة، يمكن لصواريخ إس 400 إسقاطها"، وفقاً لتقديرات سيمون والدمان، الباحث في كلية "كينجز كوليدج" في لندن.

فأنقرة تعتقد أن واشنطن متورطة، بشكل أو بآخر، في المحاولة الانقلابية الفاشلة في العام 2016، وقد كانت أحد أهم دوافعها في الانعطاف التاريخي نحو موسكو، وقد استخدمت هذا التحول في إدارة علاقتها المتقلبة مع الولايات المتحدة، كما يقول والدمان في مقاله في صحيفة "هآرتس".

ومن غير المستبعد أن هذه الصفقة قد تشكل في النهاية معضلة لأمريكا أيضاً، فقد ترى الأخيرة بأن سكوتها عنها وتمريرها بهدوء، لربما أظهرها كما لو أنها نمر من ورق، وقد يدفع ذلك حلفاء آخرين لها على إبرام صفقات مع الروس بما يخالف الرغبة والإرادة الأمريكية. ونتيجة ذلك، اتسعت دائرة التمرد، وفقدت واشنطن، تدريجياً، هيبتها التي خضعت لها أكثر دول المنطقة لعقود من الزمن.

كما إن الرد الأمريكي الناعم أو المخفَف قد يمنح الدول الأوروبية هامشاً للمناورة لعدم فرض عقوبات على إيران، فإذا كان صنيع تركيا لا ترى فيه أمريكا تهديداً جدياً لـ"الناتو"، فلماذا على أوروبا أن ترى في الاتفاق النووي مع إيران تهديداً إقليمياً ودولياً، كما يسوق له الثنائي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو.

يضاف إلى ذلك أن العقوبات المفروضة على تركيا، وهذا أحد أوجه التعقيد في المعضلة الأمريكية، يُعرَفها دولة معادية وفقًا لقانون العقوبات الذي أقره الكونغرس قبل عامين، ما يدفع تركيا إلى الانسحاب التدريجي من المدار الأمريكي والانضمام إلى مجال نفوذ روسيا، وهو ما لا ترغب فيه واشنطن ولا تقوى على تحمله.

ونقلت الصحيفة عن الباحث الروسي، ديمتري ترينين، مدير مركز كارنيغي في موسكو،  أن صفقة أنظمة الدفاع الجوي الروسية S400  إلى تركيا ليس عكسًا تامًا للجغرافيا السياسية الإقليمية، وإنما تعزيز للعلاقات التركية الروسية لسنوات مقبلة.

وربما اعتقد الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، أنه حصل على تنازلات من ترامب، الذي أظهر نغمة تصالحية في لقائهما على هامش قمة مجموعة العشرين في الشهر الماضي، ولعله اعتبر ذلك التزاماً بعدم فرض عقوبات قاسية على تركيا أو تفهماً فيما يتعلق بالصفقة الروسية، كما يرى الباحث في تعليقات كتبها على صفحته الشخصية.

ومن الملاحظ أن غالبية الحديث الآن، بعد تسلم تركيا الأجزاء الأولى من مكونات نظام الدفاع الجوي إس 400 من الروس، أصبح عن العقوبات الأمريكية، فقد أصبحت واشنطن ملزمة بتنفيذ بعض العقوبات على الأقل بموجب قانون مكافحة أعداء أمريكا.

ولا يبدو أن البيت الأبيض لديه موقف محدد بشأن هذه القضية حتى الآن، وحتى حلف «الناتو» ترك تقدير الموقف لواشنطن، لأنه ليس ثمة ما ينص على عقوبة بعينها في ميثاق الناتو أو تعليق العضوية، لكن حتى لو فرض ترامب العقوبات، فليس هناك ما يضمن أن الدول الأوروبية سوف تحذو حذوه، لأن المصالح الأوروبية تجاه تركيا تفوق مصالح واشنطن، بما في ذلك التبادلات التجارية المُربحة ومرور النفط والغاز الطبيعي عبر تركيا إلى أوروبا، ومنع تدفق موجات اللاجئين، وهذه مصالح وجودية، من المنظور الأوروبي، لا تقل أهمية عن التعاون العسكري لشركاء الناتو.

ومن جانب تركيا، فإن هذه الصفقة تتضمن تحديد الإستراتيجية الإقليمية لها، والمرتبطة في جزء كبير منها بتهديدات الكيان الكردي على حدودها، التي ترى فيه عدوها الأكبر، ففي الوقت الذي تحصلت فيه على أول شحنة من صواريخ إس 400 الروسية، فإنها أرسلت قوات ودبابات إلى الحدود مع شمال شرق سوريا، في محاولة، ربما، لردع أمريكا عن عقوباتها بالتلويح بورقة التدخل في المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد في شرق الفرات، حيث تتمركز القوات الأمريكية.

ورغم العروض الأمريكية المغرية لثنيها عن إتمام الصفقة مع الروس، مضت أنقرة في عملية الشراء، واختارت بهذا تعزيز اعتمادها على موسكو، تعبيراً عن فقدان تركيا الثقة في الولايات المتحدة، خاصة مع قيام واشنطن بتسليح وحدات حماية الشعب الكردي، وتمسكها بالرهان على الورقة الكردية في إدارة الصراع في الشمال السوري قريباً من الحدود التركية، وهو ما أثار غضب أنقرة واستفزها في أمنها القومي.

كما إن الحزب الحاكم يريد أن يثبت، كما يبدو، أنه يجيد الحفاظ على التوازن في العلاقات، إذ لا تريد أنقرة الاستمرار في حبس نفسها بالدوران في الفلك الأمريكي وتحاول الابتعاد، ما أمكنها ذلك، بدلاً عن وضع أوراقها كلها في سلة واحدة، منتزعة قدراً من الاستقلالية في إدارة مصالحها وتحديد إستراتيجيتها.

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر