لتعويض نقصه العددي: حرب مواقع النظام "الإستراتيجية" من قمة النبي يونس إلى تل الحماميات

2019-7-13 | وائل عصام لتعويض نقصه العددي: حرب مواقع النظام

ظل النظام السوري قادرا مع حلفائه على الحفاظ على عدد كبير من المواقع الإستراتيجية والعقد الجغرافية ذات القيمة العسكرية، ولعل استعادة "الحماميات" بالأمس كان مثالا جديدا على الاهتمام الخاص الذي توليه المنظومة العسكرية لتلك النقاط المهمة، كقمة النبي يونس وتلة الحماميات، التي تلعب دورا كبيرا من عدة أوجه، فهي تمكّن القوة المهيمنة من السيطرة النارية على فضاء واسع من محيطها من المواقع الإستراتيجية، وبالتالي، تؤمن دعما كبيرا للقوة المهاجمة وفي الوقت نفسه تشكل حاجزا دفاعيا صلبا أمام أي هجوم مضاد .

قمة النبي يونس في اللاذقية، حاولت فصائل المعارضة لسنوات طويلة السيطرة عليها، وكانت تواجه في كل مرة بعناد كبير من قوات النظام المتمركزة هناك، التي تشكل خط دفاع أمام الكثير من القرى في اللاذقية، من معاقل النظام ومنها العلوية، وكان العقيد مالك الكردي نائب قائد الجيش الحر رياض الأسعد، يقود إحدى المحاولات لاستعادة القمة، ومما علق بذهني من حديثه خلال تواجده في ريف اللاذقية قبل خمسة أعوام، هو حجم التخطيط المعقد الذي كان يعده لإنجاز العملية، ومدى تعويله عليها لتحقيق خرق مهم في معاقل النظام في اللاذقية، ورغم ترجيحي لعدم نجاح العملية في تلك الأوقات لأسباب عديدة، إلا أن التجهيزات المعدة لاقتحام القمة كانت سببا بعدم استبعاد احتمالية النجاح، ولكن في النهاية أخفقت العملية ولم تحقق أهدافها، ومثلها عدة محاولات لاحقة تمكنت واحدة منها فقط من الوصول للقمة لعدة ساعات، قبل استعادتها من النظام مجددا. وهي محاولة من محاولات عديدة لفصائل المعارضة شارك فيها تنظيم "الدولة الإسلامية" حينها، تحت قيادة أبو ايمن العراقي، ومعه فصائل إسلامية وتشكيلات من الجيش الحر، ضمن غرفة عمليات لتلك الغزوة الشهيرة التي سميت حينها، غزوة "السيدة عائشة أم المؤمنين".

يتكرر الأمر هذه الأيام، مع تلة الحماميات التي تعرضت لعدة عمليات اقتحام سابقة تم إجهاضها، فخسارة تلة الحماميات كانت ستؤدي بشكل شبه مباشر لسيطرة "تحرير الشام" وحلفائها الجهاديين علي كرناز والمغير والشيخ حديد والجلمة، ولذلك اهتم النظام بتحصين تلة الحماميات بشكل كبير، من خلال حقول ألغام محيطة بها وخندق يصل عرضه لثلاثين مترا، ولم يتمكن المقاتلون من السيطرة عليها، إلا بعد عملية نوعية قادتها "تحرير الشامّ ممثلة بكتيبة جيش أبو بكر، اعتمدت على اقتحام حقل الألغام من قبل أخوين "استشهاديين" قادا جرافة مفخخة، وقاما بفتح الطريق حتى انفجرت الألغام بنهاية مهمتهم، وظن زملاؤهم أنهما قتلا، ليخرجا من بين الدخان أحياء، ويباشر المقاتلون الهجوم مستفيدين من الثغرة المفتوحة بين حقول الألغام، وقد نقل الناشط الميداني البارز محمد العمر، الموجود على جبهات إدلب تفاصيل هذه العملية على حسابه الخاص .

يمكن التطرق إلى العشرات من المواقع الجغرافية والمراكز الحيوية في سوريا، التي اهتم النظام بالدفاع عنها طيلة سنوات، وتحقق له ذلك حتى قبل التدخل الروسي العسكري، فمن مبنى المركبات في ريف دمشق حتى جبل زين العابدين المطل على مدينة حماة، وصولا إلى ثكنة هنانو والمخابرات الجوية ومدفعية الزهراء في حلب، وتطول القائمة التي يمكن أن تشمل أيضا، مواقع فشل حتى الجهاديون أصحاب المراس القتالي في اقتحامها، رغم حصارها لشهور طويلة مثل مطاري كويريس ودير الزور.

التمسك بهذه النقاط كانت تعبر عن إستراتيجية للنظام وحلفائه بتكثيف جهدهم الحربي، في نقاط محددة، لكنها ذات أهمية بالغة بمعناها السيادي، لتعويض نقصهم العددي، فتركت الأرياف الأقل أهمية لفصائل للمعارضة الأكثر عددا لكن الأقل تنظيما وفاعلية، إلى حين، وقد مثلت هذه الإستراتيجية رؤية تسعى لإبقاء مراكز المحافظات الكبرى، وبالتالي مراكز السلطة وعصب المناطق الحيوية (خط درعا دمشق حلب) في سوريا بيد النظام طيلة سنوات الحرب الأهلية الثماني.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر