الهزيمة أو الانسحاب "الجزئي" من اليمن: الإمارات غير معنية بأي مواجهة عسكرية مع إيران

2019-7-9 | خدمة العصر الهزيمة أو الانسحاب

الإمارات تؤكد انسحابها من مدينة الحديدة  اليمنية الساحلية، وتعتبر هذه الخطوة لحظة مهمة في الحرب الأهلية، لكنَ المسؤولين، وفقا لصحيفة "الغارديان" البريطانية، يقولون إن الإمارات ما زالت في تحالف بقيادة السعودية ضد الحوثيين. وقد أعلنت الإمارات عن "إعادة انتشار إستراتيجية" من مدينة الحديدة الساحلية في اليمن، بالإضافة إلى تراجع "تكتيكي" محدود في أماكن أخرى من البلاد. ونقل شهود عيان أن عملية سحب واسعة النطاق للقوات والأسلحة الثقيلة جارية في محافظة مأرب وعاصمة عدن المؤقتة والحديدة.

وقال المسؤولون الإماراتيون إن هذه الخطوة، التي تجري مناقشتها لمدة عام، تهدف إلى دعم عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة والتي بدأت في ستوكهولم في ديسمبر الماضي. وكان هذا أول تأكيد رسمي من قبل دولة الإمارات للانسحاب، والذي أُبلغ عنه في الأسابيع الأخيرة من قبل شهود ومسؤولين أجانب. وقال المسؤولون إن الإمارات ستبقى في التحالف الذي تقوده السعودية والذي تدخل في عام 2015 في محاولة لاستعادة الحكومة اليمنية التي أطاحت بها الحوثيون، وهي جماعة متمردة تدعمها إيران. وقالت الصحيفة إن مهمة الرقابة، التي كانت تتولاها، ستنتقل إلى القوات اليمنية المحلية المدربة من قبل الإمارات والمرتزقة الأجانب، وستركز القوات الإماراتية المتبقية في اليمن على "مكافحة الإرهاب" ضد تنظيم القاعدة و"داعش" بدلاً من المعركة ضد الحوثيين، وستواصل الإمارات دعمها للحركة الانفصالية في جنوب اليمن.

وأشارت تقديرات محللين إلى أن الإمارات تتعمد إظهار أنها انكفأت نسبياً في اليمن، وأجرت تحوّلاً على إستراتيجيتها هناك. انسحابات عسكرية كبيرة وتبدلات في خريطة الانتشار، تقول إن أبو ظبي تريد الخروج من تصدّر مشهد المعارك العسكرية، كرأس حربة، تحت سقف الالتزام بالتحالف السعودي. 

وشملت هذه الانسحابات، وفقا لتقديرات صحفية، ساحات القتال خارج الجنوب اليمني: انسحاب كامل من مأرب، حيث حلّت القوات والمعدات السعودية محل تلك الإماراتية، وإخلاء معسكر الخوخة وانسحاب بنسبة كبيرة من جنوب الحديدة مع إبقاء الإدارة الإماراتية لهذه الجبهة، سحب عدد كبير من الضباط الإماراتيين من قاعدة عصب في إريتريا.

وتابع محللون خريطة الانسحاب الإماراتي، ولاحظوا انسحابا من جبهتَي الحرب الرئيسيتين، اللتين انصبّ عليهما الرهان لكسر صنعاء: مأرب وهي القاعدة الخلفية للهجوم على العاصمة اليمنية، والحديدة وهي بوابة صنعاء الغربية وشريان حياتها. والمركزان الوحيدان اللذان يتمتعان بالثقل العسكري الإستراتيجي، خرجت الإمارات من أحدهما (مأرب)، وخفّضت وجودها على الأرض بشكل كبير في الثاني. وكذا تخفيض وجود الضباط في قاعدة "عصب" بنسبة كبيرة، وهي القاعدة الأمنية والتدريبية واللوجستية الخلفية المهمة للحرب في الإقليم، ولا سيَما في معارك الساحل الغربي. وهناك تخفيف الوجود في جنوب اليمن، معقل النفوذ الإماراتي منذ اليوم الأول للحرب، بما فيه مدينة عدن، ولو بشكل مختلف عن جبهات الشمال، ومن دون التخلي عن الحلفاء.

ورأت صحيفة "الغارديان" أن الانسحاب الإماراتي يُضعف القدرات العسكرية السعودية في اليمن، مما يزيد من الضغط على الرياض لمواصلة الحل السياسي بدلاً من العسكري. وقال مسؤولون إن الانسحاب نوقش  على نطاق واسع مع الرياض وكذلك مع الحكومة اليمنية المعترف بها من الأمم المتحدة ومقرها عدن. ولكن الإمارات تواجه اتهامات بأن الانسحاب اعتراف بالهزيمة، وإن أصروا على أن عملية إعادة الانتشار كانت خطوة مدروسة. وقد أصبحت مدينة "الحديدة" محور تركيز رئيسي للحرب العام الماضي عندما حاول التحالف الذي تقوده السعودية المدعوم من الغرب الاستيلاء على الميناء، وهو خط الإمداد الرئيسي للحوثيين.

واستبعد المسؤولون الإماراتيون أيضاً ما أشار إليه بعض المراقبين من أن الخفض يعكس خلافاً متزايداً بين أبو ظبي والرياض: فقد اختلف قادتهم العسكريون والسياسيون منذ فترة طويلة حول الإستراتيجية المفضلة في المأزق الدموي في اليمن والتعامل مع التهديد الإيراني.

وفي الأسبوع الماضي، قال ثلاثة دبلوماسيين لوكالة "رويترز" إن أبو ظبي تفضل سحب قواتها ومعداتها تحسبا لأي زيادة في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

لكن تقديرات محللين أشار إلى سببين للانعطاف الإماراتي في اليمن:

الأول، الخوف من تغير قواعد الاشتباك الإقليمية نتيجة المواجهة الإيرانية الأميركية، وهو ما لا تتحمّله دولة صغيرة محدودة القدرات كالإمارات. ولبا يمكن لأي مراقب تجاهل الاقتران بين تصعيد الخطوات الإيرانية مع الزخم الحربي للحوثيين في اليمن ضد التحالف السعودي الإماراتي، سواء باستخدام أسلحة جديدة، كالصواريخ المجنحة والطائرات المسيرة، أو استهداف مواقع ومنشآت مهمة. وربما أدرت أبوظبي أن توسع رقعة الاشتباك ليشمل نفطها ومطاراتها وموانئها وسفنها يفوق طاقتها على التحمّل، وبالتالي تبرز الحاجة إلى النأي بالنفس عن الصراع الأكبر في المنطقة، وهو ما بدأت إشاراته مع الإحجام عن اتهام إيران بالهجوم على ناقلات النفط في الفجيرة. وربما أثبت هذا بإمكان طهران الاستفادة من الحرب على اليمن لرد الدول الخليجية المتورطة في الحرب اليمنية ودفعها للانكفاء في أي مواجهة قادمة.

الثاني، ربما تضارب المآرب والمصالح الإماراتية والسعودية في اليمن. إذ تبدو أبوظبي مهتمة بالنفوذ الإقليمي والجزر والسواحل والموانئ ومحاربة الإخوان، لا بصراع "وجودي" على حدودها، لم ترغب في حرب طويلة الأمد، وقد يكون رهانها الفاشل على معركة الحديدة للضغط في اتجاه الحل السياسي.

ومع هذا، لا يُتصور من الإمارات الانكفاء الكلي والتخلي عن هيمنتها على جنوب اليمن، والذي يعدَ مركز ثقلها وخططها، وتريد ضمان عدم تأثرها بالمواجهة الإقليمية، وأنها غير معنية بأي مواجهة عسكرية مع إيران.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر