هل إيران ورقة مساومة لروسيا في العلاقات مع الولايات المتحدة؟

2019-7-6 | خدمة العصر هل إيران ورقة مساومة لروسيا في العلاقات مع الولايات المتحدة؟

أثار الحوار المكثف الأخير الأمريكي الروسي الجدل والتكهنات بأن موسكو قد تستخدم إيران ورقة مساومة في علاقاتها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتشير هذه التقديرات الواهية إلى أن موسكو يمكن أن تسحب دعمها السياسي لطهران مقابل تخفيف الضغط السياسي والاقتصادي الأمريكي على روسيا نفسها. وهذه الاقتراحات ينبغي تلقيها مع حبة من الملح، كما كتب المحلل الروسي، نيكولاي كوزانوف.

في الواقع، فإن الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبو، في 15 مايو إلى روسيا كانت -دون مبالغة- موضع ترحيب من الكرملين. فبعد التقرير الذي قدمه المدعي الخاص، روبرت مولر، إلى اللجنة في مارس الماضي، توقعت السلطات الروسية أن تتلقى قنوات الاتصال مع الولايات المتحدة دفعة جديدة. كان الهدف من زيارة بومبيو لسوتشي هو وضع "نهج عملي"، وفي الوقت نفسه، ميل الروس والأمريكيين إلى تقديم تنازلات. لتحقيق مثل هذه التسويات، يجب أن يكون لدى الجانبين أوراق مساومة. وهكذا نظرت السلطات الأمريكية إلى إيران على أنها واحدة من "أصول التبادل" هذه في ترسانة الكرملين.

وقد ظهرت سيل من التكهنات بعد فترة وجيزة من زيارة بومبيو. وفي هذا، أوردت شبكة "بلومبرج" خبر رفض روسيا المزعوم لتزويد إيران بمجمعات صواريخS-400 ، وجادل آخرون بأن موسكو قد ترى بعض الفائدة من الضغط المتزايد على إيران بالنظر إلى مصالح موسكو في سوق النفط العالمية. وتشير الحكمة التقليدية لهذه النظرية إلى أن انخفاض صادرات النفط الإيرانية قد يمنح روسيا ذريعة للإصرار على ارتفاع حصة إنتاج النفط ضمن ما يسمى باتفاقية فيينا، وهي اتفاقية بين "أوبك" وبعض الدول غير الأعضاء في منظمة بقيادة روسيا للحد من إنتاج النفط لضمان ارتفاع أسعار النفط. وهذا، من جانبه، سيسمح للكرملين بزيادة الإنتاج، وهو ما طالب به منتجو النفط الروس.

ومع ذلك، أثبتت أحداث عديدة أعقبت زيارة بومبيو لروسيا أن موسكو ليست مستعدة لدعم إستراتيجية "الضغط الأقصى" الأمريكية ، ناهيك عن تغيير النظام في إيران.

في 18 يونيو، أظهر اجتماع للجنة الروسية-الإيرانية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي في أصفهان نية موسكو لتطوير التعاون الاقتصادي مع طهران على الرغم من العقوبات الأمريكية. بالإضافة إلى ذلك، عند اتخاذ القرار في 1 يوليو بشأن تمديد اتفاقية فيينا، أخذت روسيا في الحسبان مصالح إيران بشكل واضح ولم تستغل الموقف لمصلحتها، على الرغم من مخاوف في طهران من هذا الاحتمال.

لقد حاول الكرملين أن يستخدم موقفه المؤيد لإيران من أجل علاقات أفضل مع الغرب مرتين من قبل: في التسعينيات والألفينيات، لكن لا شيء جيد خرج منه، وآخر انفتاح على الغرب على حساب إيران حدث في عام 2009.. واستهدفت سياسة ميدفيديف وأوباما، ضمنيا، خفض روسيا لشراكتها مع إيران. وهكذا، في عام 2010، تراجعت روسيا عن موافقتها على تزويد طائرات S-300s لطهران. وهذا أسهم في انعدام الثقة التاريخي بين روسيا وإيران وتفاقم شكوك طهران بشأن موسكو. وفي الوقت نفسه، فشلت سياسة "إعادة الضبط" أيضًا، وتركت روسيا من دون أي مكاسب في العلاقات مع الولايات المتحدة قد تبرر بها "خسائرها" مع إيران.

وبالإضافة إلى الأزمة السورية، تتعاون موسكو وطهران في مجموعة واسعة من القضايا، من الطاقة إلى الأمن في منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى. وروسيا مهتمة بهذه التفاعلات، كما بإيران. وتتذكر موسكو بوضوح أن تعاونها الفعال مع طهران هو الذي ساعد في وقف الحرب الأهلية الدامية في طاجيكستان في أوائل التسعينيات. واعتبر الكرملين موقف طهران من الحرب الروسية مع جورجيا عام 2008 موالً لموسكو. وأخيرًا، كان من الصعب تبني اتفاقية مدعومة من موسكو بشأن الوضع القانوني لبحر قزوين دون موافقة إيران في عام 2018. ونتيجة لذلك، لا يمكن أن تتحمل موسكو إفساد حوارها مع إيران.

كما إنه من غير الواضح ما الذي يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة لروسيا في هذه المرحلة. بينما يزعم ترامب أن نتائج مطالبة مولر تثبت عدم وجود "تواطؤ" مع الكرملين، فإن صورة روسيا لم تتحسن في السياسة الأمريكية ووسائل الإعلام الرئيسية وداخل المؤسسة. وتحسين العلاقات مع روسيا يعني إعادة النظر في السياسات الأمريكية تجاه عدد من القضايا الرئيسية بما في ذلك ضم شبه جزيرة القرم، وحرب روسيا المدعومة في شرق أوكرانيا وقضية التدخل في الانتخابات.

لذلك، تبقى روسيا على طريق مواصلة توسيع جدول أعمالها مع إيران مع التركيز على تحسين نوعي لها، كما أظهر اجتماع اللجنة المشتركة في أصفهان أن موسكو مستعدة لتكثيف اتصالاتها الاقتصادية مع إيران وحتى مساعدتها على التهرب من العقوبات الأمريكية. وفي عام 2018، وعلى الرغم من الضغوط الأمريكية، حافظت التجارة الروسية الإيرانية على مستوى عام 2017 وبلغت 1.7 مليار دولار.

وبالإضافة إلى ذلك، في النصف الأول من عام 2019، أظهرت التجارة الثنائية اتجاهات نمو إيجابية تعطي آمالًا أنه بحلول نهاية هذا العام قد يتجاوز مستوى التجارة بين البلدين ملياري دولار. والوسائل المتاحة لروسيا لتخفيف الآثار السلبية للعقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني محدودة. وتبحث موسكو حاليًا عن مجالات تعاون محتملة لا يمكن أن تتأثر بشكل مباشر بالعقوبات. على سبيل المثال، تخطط روسيا لزيادة صادراتها من المنتجات الزراعية التي قد يكون لها أهمية رئيسية للأمن الغذائي لإيران، بما في ذلك إمدادات الحبوب واللحوم الروسية. ومع كازاخستان، لدى السلطات الروسية خطط طموحة لتحويل إيران إلى مركز تجاري لقمحها للوصول إلى الأسواق الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

ويواصل الكرملين اهتمامه بتطوير التعاون في مجال النفط والغاز. وهكذا، أعلنت شركة غازبروم عن عزمها مساعدة إيران في تطوير بنيتها التحتية للغاز، في وقت تناقش فيه الشركات الروسية مشاريع النفط المشتركة المحتملة في بحر قزوين. وفي الوقت الحالي، تركز مجال التعاون الاستثماري على بناء محطة بوشهر للطاقة، وبناء محطة كهرباء سيريك (التي بدأت في عام 2017) ومشاريع السكك الحديدية الروسية، لكن روسيا ترى طرقًا لتوسيع مشاريعها في البلاد. وثمة فكرة في الوقت الحالي حول تعزيز العلاقات المباشرة بين النظامين المصرفي الروسي والإيراني وتجنب استخدام "العملات الثالثة" في معاملاتهما.

وقال المحلل الروسي إن موسكو تعلمت كثيرا من خبرتها في مساعدة فنزويلا على الوقوف في وجه الضغوط الأمريكية ويمكنها استخدام هذه التجربة في إيران. وعلى سبيل المثال، أنشأت موسكو وكاراكاس الاتصال المصرفي المباشر وهم يستخدمون الروبل الروسي في معاملاتهم.

في أوائل عام 2019، طالبت موسكو من إيران، مقابل مساعدتها، بزيادة الوجود في قطاع النفط والغاز الإيراني. ومع ذلك، أعلن الجانب الإيراني بصراحة أنه غير مهتم بالمساعدة الروسية لأنه يعتقد أن الاتحاد الأوروبي سيحمي طهران من الضغوط الأمريكية. وقد ساءه الكرملين هذا التصرف، ومع ذلك، قد تقدم موسكو مساعدتها مرة أخرى بالسعر نفسه المرتفع لإيران الآن بعد أن ضاقت خيارات طهران.

ورأى الكاتب أن مستقبل العلاقات الروسية الإيرانية يعتمد إلى حد كبير على نتائج المواجهة الأمريكية الإيرانية. فلن تضغط موسكو على طهران من أجل علاقات أفضل مع الولايات المتحدة، لكنها يمكن أن تلعب دور الوسيط. ومع ذلك، إذا استمرت الأزمة في الانفجار وكانت إيران مستعدة لمنح روسيا وصولاً أفضل إلى اقتصادها، فقد تبدأ موسكو في زيادة دعم إيران تدريجياً من خلال المشاركة في مخططات الاحتيال الرمادية.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر