آخر الأخبار

التجربة "الجهادية" في إدلب: سابقة مرنة وانفتاح عاقل وخطوة في الاتجاه التصحيحي من الداخل

2019-7-4 | خالد حسن 	التجربة

التيار الجهادي في الشمال السوري يبتعد تدريجيا عن المربع الفكري والعقدي الذي انغلق عليه، وأفاده كثيرا الانفتاح على المكونات الأخرى للثورة، وقد لا يتوقف عند حدود التكيف المرن مع بيئته المحلية، وربما يُسائل بعض أفكاره التي كان يعتبرها مسلمة نهائية لا تقبل النقاش.

تجربة ثرية تستحق التأمل والنظر توحي ببعض الاستعداد والجرأة للدفع التدريجي بعيدا عن إرث التجارب الماضية ومقالاتها ومسلماتها وقطعياتها.. وحركة التاريخ والتحولات في الفكر السياسي الإسلامي والعقل الإصلاحي المُتجاوز، كل هذا وغيره يفرض قدرا من المرونة وتحريك الجمود في عالم الأفكار، فالتاريخ ليس مصدرا للتشريع والتجربة ليست مقدسة في ذاتها والشرع المنزل لا يستوعبه حق الاستيعاب إلا العقل الفظن المرن المنفتح المُدرك، فالتفاعل الدائم اليقظ بين النص والعقل، فهما وتنزيلا وملكة، يجدد التصورات والنظرات ويبعث على التحولات، والتعامل مع النص محكوم عند الجهاديين بتاريخ وسلف وتجربة، وقد ضيقوا في هذا واسعا، وربما استعجلوا الحكم بالشريعة، ولم يراعوا في هذا الحاضنة الشعبية ولا تحرير الإرادة ولا ظروف الزمان والمكان وجدود الإمكان، وجعلوا منها أم المعارك والقضية الرئيسية، وغضوا الطرف أو تجاهلوا القيم السياسية الإسلامية الكبرى، فشاب تدبيرهم التشوه وأحدث هذا نفورا مشهودا.

فاستدعاء التراث والتاريخ والنص كان مُوجها لهدم الحركة المعادية أكثر من الانتصار لمذهب أو فكرة. حتى في الثورات وما بعدها، في الانقلابات وما بعدها، في صعود الدول وانحسارها، يظل الباعث السياسي حاضرا بقوة، مُشهَرا سيف الفكرة والمذهب والنص، فتحول النص هنا إلى أداة لإخضاع الآخرين وتطويعهم، ولو كان طلب الحق وتحرَي الصواب هو الباعث المهيمن لخفَ التصلب ولما غلب التعصب.

وكثير من المسائل المحسومة في عقل التيار الجهادي قطع وجزم بها انغلاقه، لا النظر العميق المتأني والبحث، وبعض ما حسمه مُتخيل وليس حقيقة قطعية، وبعض تصوراته النظرية وتطبيقاتها العملية  تجاوزت حدود الإمكان، وربما شكلت عبئا على الثورة وحركة التغيير إجمالا.

والاستعلاء الفكري الذي يمارسه الإسلاميون، من كل التيارات تقريبا، أضر بهم كثيرا، والتيار الجهادي، إجمالا، يرى في المرونة منقصة ومسبة وتنكبا عن الصراط، والمرونة موقف قوة وليس ضعفا، وحشر الناس والولع بتقسيمهم وتصنيفهم أضرَ بالتجربة الجهادية وحجب عنها الرؤية المستوعبة.

أسرُ التاريخ والسلفية المُتخيَلة والمفاصلة الفكرية والنظرة القطعية الجازمة كل هذا وغيره أوصل التيار الجهادي إلى أزمة عميقة مع بيئته المحلية وعموم الناس...وربما المُتخيل أكثر من الحقيقي في الذهنية الجهادية، لكن يحتاج إلى هزات وتحريك ليغادر بعض حصونه وقلاعه الفكرية المتصدعة...وكلما ضاق عقله وصدره، كثرت ضحاياه وزادت مظالمه واتسعت دائرة الرفض والنفور..

وتجربة إدلب "الجهادية" (وربما الحديث هنا ينطبق أكثر على هيئة تحرير الشام والمجموعات القريبة منها) في إدارة المناطق المحررة والصراع عموما وفي التعامل مع مكونات الساحة الثورية سابقة مرنة وانفتاح عاقل وخطوة في الاتجاه التصحيحي من الداخل، مع حفاظها على قدر من الاستقلالية وهامش المناورة..إن لم تتغير هذه الكيانات من الداخل بقوة دفع فكرية ذاتية، فلن تتغير بقوة دفع خارجية إرغامية وقهرية، وحركة التاريخ وتطور الفكر الإسلامي وتطبيقاته ستتجاوز المتردد والوفي لانغلاقه والقابع في مربع التاريخ والتجربة والفهم المحدود، ولم يتجاوزه.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر