خسارة أردوغان لاسطنبول بعد طول إنجاز: فرطَ التدخل والضغط والاستقطاب

2019-6-24 | خالد حسن خسارة أردوغان لاسطنبول بعد طول إنجاز: فرطَ التدخل والضغط والاستقطاب

باختيار مُرشح حزب المعارضة الرئيسي، الحزب الجمهوري الشعبي، أكرم إمام أوغلو، لرئاسة بلدية إسطنبول، المدينة التي بدأ فيها أردوغان مسيرته السياسية قبل ربع قرن، عبَر الناخبون عن عدم رضاهم العام عن أسلوب إدارة الحكم، من دون إغفال القاسم المشترك في الحياة التركية، العامل الذي يتخطى الانقسامات السياسية التقليدية، ونعني به الانحدار الاقتصادي. وفي هذا، قال نافذ زوك، كبير خبراء الاقتصاد في الأسواق الناشئة في جامعة أكسفورد الاقتصادية بلندن: "التضخم مرتفع جدا، والأجور الحقيقية في هبوط، ويفكر الناس في أموالهم بدلاً من الإنفاق...لقد فقدوا ثقتهم بعملتهم وقدرتهم الشرائية".

صحيح أن الركود انخفض في خلال النصف الأخير من عام 2018، واستؤنف النمو المتواضع خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2019، إذ نما الاقتصاد بنسبة 1.3 في المائة مقارنة بالربع السابق، وفقا لتقديرات صحيفة "نيويورك تايمز"، لكن معظم الاقتصاديين اعتبروا ذلك ظاهرة مؤقتة، نتيجة للإنفاق العام الذي قدمه الرئيس أردوغان لتعزيز الحظوظ قبل الانتخابات المحلية في أواخر مارس الماضي. وقد أدى تنصيب صهره مشرفا اقتصاديا بارزا في العام الماضي إلى تدمير الثقة الهزيلة التي بقيت في استقلالية البنك المركزي التركي. وحتى أولئك الذين يسيطرون على المال قد فقدوا ثقتهم في الرئيس التركي ويأملون في احتمال قيام طرف آخر بالسيطرة على بعض الأدوات الاقتصادية.

وتشير نتائج انتخابات بلدية إسطنبول إلى أن جمهور الناخبين ما عاد يحتمل سياسة الحزب الحاكم، فقد طالت مدة بقائه وسيطرته، وما عاد يطمئنهم الرجل المسؤول عن البلاد، رغم إنجازاته الباهرة، فكثيرون يشهدون له أنه باني نهضة تركيا الجديدة.

ولعل أكبر أخطاء الرئيس أردوغان وقادة حزب العدالة والتنمية الحاكم، خطاب التخوين والتهويل، والذي استفاد منه أكرم إمام أوغلو في فوزه في انتخابات اسطنبول، لغة الاستقطاب الحادة والتشنيع بالخصوم والمعارضين والاتهامات المرسلة وهوس التفسير التآمري والكم الهائل من الدعاية أحدثت نفورا كبيرا.

وقد سخَر أردوغان كل ما هو متاح لإنجاح مرشحه في انتخابات بلدية اسطنبول، بنعلي يلدريم، وقد وصل الضغط الهائل إلى عبد الله أوجلان (زعيم جزب العمال الكردستاني المحظور) في محبسه لضمان حياد الأكراد في الانتخابات، وهذا الضغط الرهيب أتى بنتائج عكسية، هذا إلى جانب أن ورقة اوجلان محروقة، كما علق الناشط والمدون الكردي، شنار سلام، وحتى قيادات حزبه لا تسمع له. وأضاف أن حزب أردوغان يجاول، من جانب، استعطاف القوميين الأتراك بمعاداة الكرد، ومن جانب آخر يرسل مرشحه لديار بكر، ويشيع بأنه كردي لكسب أصوات الأكراد.

وسيطرة الحزب الحاكم وأنصاره من أصحاب رؤوس الأموال على النسبة الأكبر من وسائل الإعلام أضرَ بالعدالة والتنمية أكثر مما خدمه كما كانوا يتصورون، لا تكاد تقرأ مقالا متزنا غير منحاز في الصحافة التركية إلا ما ندر، وهذا زاد من جرعات الدعاية المضللة.

وأظن أن العدالة والتنمية أصبح ينتمي إلى الماضي أكثر من المستقبل، وشبح الإفلاس السياسي يطارده..فيحتاج إلى تجديد وتهذيب ومرونة في الخطاب وتخفيف الضغط ومراجعة لقواعد التدافع السياسي والعناية بالتوالد القيادي وإعداد وإنضاج بدائل وتقديم وجوه قيادية شابة تتجاوز حالة الترهل وعُقدة الرأس الواحد، حتى لا يرتبط مصير الحزب بمصير العقل المركزي. فماذا استفاد أردوغان من إبعاد عقول وسياسيين بارزين؟ ها هو الحزب اليوم يعيش بعقل ورأس واحد، حتى يلدريم، الشخصية التنفيذية، أحرقه أردوغان بالخسارة المدوية في اسطنبول... درس بليغ لمن يهتم بالشأن السياسي وللمنغمسين في معارك التدافع السياسي..

وليت أردوغان اعترف بنتائج الانتخابات الأولى في 31 مارس، ربما كان وقع الخسارة أخف مما عليه اليوم، فهو المسؤول الأول اليوم عن الخسارة، لفرط التدخل والضغط والاستقطاب. وتبقى خسارة إسطنبول أكثر من مجرد فقدان السيطرة على أكبر مدينة في تركيا، فقد كانت وظيفة العمدة نقطة انطلاق مشوار أردوغان السياسي، وإذا كان أداء إمام أوغلو جيدا ومُقنعا في هذا المنصب، فقد يكون المنافس القوي لمنصب الرئاسة مستقبلا.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر