العالم تغير: هل تحتفظ أمريكا بحق الرد على إيران؟

2019-6-22 | وائل عصام العالم تغير: هل تحتفظ أمريكا بحق الرد على إيران؟

أكثر ما لفتني من تصريحات المسؤولين الأمريكيين عقب اجتماعهم المخصص لبحث الهجوم الإيراني الأخير، هو قول زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأمريكي، إن الإدارة الأمريكية تعد ردا "محسوبا" ضد إيران، وهذا التعبير ربما، هو ما أشار مبكرا لمدى صعوبة اتخاذ القرار بالمخاطرة في توجيه ضربة وإشعال المنطقة، لأن الولايات المتحدة تعرف جيدا، أن إيران سترد قطعا، إن تعرضت لضربة داخل حدودها أو تعرضت وحداتها العسكرية في الخليج لعمل عسكري مباشر، وهذا جعل ترامب يتردد ويتراجع مؤقتا عن توجيه الضربة.

الإدارة الأمريكية "تحسب حسابا" للقوى المنافسة وتقيس ردود فعلها، وكلف مواجهتها، فليس الجميع لقمة سائغة، كما إن القوة الأمريكية تتراجع بشكل واضح في المنطقة لمصلحة قوى إقليمية جديدة ملأت الفراغ وباتت أمريكا تحسب لها الحساب قبل مواجهتها، لكن من يرون في واشنطن قوة لا تقهر هم من قهرتهم أمريكا، فالقوة الأمريكية أسطورية، في عيون "محمياتها" فقط. تردد ترامب و"حساباته"، مثال جديد كيف أن العالم يتغير، والأقطاب المنافسة لواشنطن تبرز، وكما قالت مجلة "فورين أفيرز" في مقال نشرته قبل ساعات، فإن الصين وروسيا وكوريا الشمالية وفنزويلا وإيران، تضع الإدارة الأمريكية في موقف محرج، حيث هي أمام خيارين أحلاهما مر، إما تصعيد خطير أو تراجع محرج.

ترامب قد يعود مجددا لتنفيذ ضربة ضد أهداف محدودة كبطاريات الصواريخ الإيرانية أو القطع العسكرية البحرية، لكن هذه الضربة ستبقى محدودة، ولن تتطور لحرب شاملة بمعنى الغزو البري لإسقاط النظام، وعلى الرغم من أن القصف الأمريكي قد يجلب توترا وقصفا متبادلا في الخليج، إلا أنها تهدف للضغط على إيران إلى جرها إلى طاولة المفاوضات، لذلك فإن "احتفاظ أمريكا بالرد" سيكون مفارقة إن حصل، جرتها إليه إيران ذات النفوذ الاجتماعي والسياسي والأمني الواسع في المنطقة، من اليمن حتى بيروت فبغداد. من الواضح أن إيران ترى التصعيد في الخليج هو سلاحها مقابل العقوبات الأمريكية الخانقة، ويبدو أنها تريد امتلاك المبادرة وجر الأمريكيين إلى مواجهة في خاصرة ضعيفة، وهي أحد أهم ممرات النفط في العالم، الخليج العربي.

وبتحييد الحرب التقليدية، تقلل إيران من التفوق الأمريكي العسكري، إذ تختار طهران ملعبا تجيد الحرب فيه، وهو حرب العصابات والميليشيات وليس الجيوش التقليدية، وهذا الخطأ الذي وقعت فيه القوى التي واجهت أمريكا عسكريا، من دون أن تمتلك قوات نظامية مؤهلة أو سلاح ردع نووي ككوريا الشمالية، فالعراق في 2003 اعتمد على قوات جيش نظامي مهلهل، ونتذكر أن القوات التي تسببت في تحقيق أكبر خسائر للأمريكيين قرب الناصرية كانت قوات فدائيي صدام والمقاتلين العرب، وهي قوات غير نظامية ولكنها مهيأة أكثر لحرب شعبية ومواجهة جيش نظامي في مدن وقرى مقاومة، الفرق بين قدرة إيران والعراق في 2003 يبدو جليا أيضا، كالفرق بين قدرة جيش العراق الذي صمد20 يوما فقط قبل احتلال بغداد، وفصائل المقاومة العراقية والتنظيمات الجهادية السنية الذين صمدوا 6 شهور في الفلوجة عام 2004 أمام الجيش الأمريكي نفسه! فما بالك لو شملت هذه المقاومة الشعبية بهذه القوات غير النظامية عشرات المدن والقرى؟

عندما كان العراق يتعرض لضربات أمريكية أواخر التسعينيات وصولا للغزو عام 2003، كان التفرد الأمريكي في أوجه، أمام غياب الأقطاب الدولية التي نهضت مؤخرا وأهمها روسيا، كما كانت قدرة العراق على الرد خارج حدوده شبه معدومة، وأقصى رده إطلاق مضادات جوية، بينما إيران اليوم ترد من صنعاء حتى هرمز، وصولا لمعسكر التاجي شمال بغداد! وداخليا، ظل العراق يعاني من تخلخل بنيته الاجتماعية الساندة للسلطة، الشيعة والأكراد، سبق أن أسقطوا ثلثي البلاد لشهور، ثم سقط الشمال نهائيا وخرج ثلثا البلاد الكردي عن سيطرة الحكومة المركزية قبل الغزو بـ13 عاما، لم يسبق أن وصلت إيران داخليا لهذا الوضع المهلهل الذي تفقد فيه السلطة المركزية الهيمنة على مساحات واسعة من البلاد.

إيران تمتلك كيانات مسلحة عقدية، تشكل خطوط دفاع متقدمة خارج حدودها، تقاتل باستماتة وبعقيدة قتالية عالية، وتهيمن على 4 دول، فكيف ستكون قوة هذه الكيانات داخل الحدود الإيرانية لو تعرض النظام لتهديد خارجي؟

هذا النوع من الحرب يجعل أي جيش يتردد في الدخول بمواجهة عالية الكلفة، فأمريكا تعلمت من العراق أنها تحتاج لجيش كامل وشن حرب لعدة شهور، للسيطرة على مدينة واحدة، كما في النجف أو الفلوجة في العراق،  بينما تحتاج إيران لفتوى واحدة من سيد معمم، للسيطرة على عشرة مدن شيعية من الضاحية البيروتية إلى صعدة اليمنية حتى براني النجف العراقية، من دون إطلاق رصاصة واحدة، فالقوة لها أوجه متعددة.

لا تريد واشنطن تكرار أخطائها في العراق، لذلك فهي أمام خيارات محدودة، وأمام خصم شهد فشل جيشها في السيطرة على العراق، وهي تستخدم أقوى أساليب تدخلها الخارجي، الغزو، فماذا ستفعل أمريكا مع إيران؟ هل ترسل 140 ألف جندي مجددا كما في 2003 وتحارب لسنوات وتخسر الآلاف من جنودها؟ ثم يخرج تقرير جديد للجيش الأمريكي يتحدث عن أخطائهم التي استفادت منها قوى شيعية جهادية في إيران، ويقول الرئيس ما قاله اوباما قبل أعوام في خطاب حالة الاتحاد (لقد تعلمنا درسا قاسيا في العراق، إن القوة العسكرية لا يمكنها دائما تحقيق أهدافنا).


تم غلق التعليقات على هذا الخبر