ثورتا السودان والجزائر: مطالب جزئية بتغيير واجهة الحكم أم تحرير الشعب من الوصاية؟

2019-6-16 | خالد حسن ثورتا السودان والجزائر: مطالب جزئية بتغيير واجهة الحكم أم تحرير الشعب من الوصاية؟

ليس الحرااك الثوري (في السودان والجزائر) مُلزما بالإجابة عن كل تساؤل (عن تصوراته التفصيلية لانتقال السلطة والمرحلة الانتقالية) حالا عاجلا، ولا هو مُطالب بحسم موقفه من كل المسائل المطروحة، وإنما تنضج المواقف تباعا ويصقلها الميدان والساحات والتفاعلات داخل الحراك، فهو قوة ضغط هائلة تدفع السلطة الفعلية ودوائر القرار للتنازل التدريجي، لأن مهمة التغيير الجذري للنظام وإصلاح مؤسسات الدولة إنما تتولاها سلطة مدنية منتخبة وبرلمان تمثيلي قوي وقضاء مستقل، فالثورة تُحرَر ولا تحكم، تضغط ولا تضع التطبيقات العملية، والأهم الآن في كل هذا أن يعرف الحراك ما يريده وما لا يريده، وأن يكون قراره بيده لا بيد غيره، وأن يحافظ على استمرار الزخم والقدرة على التعبئة الشعبية.

ولعلَ مطالب الحراك الثوري تطوَرت أمام عناد وانغلاق السلطة الفعلية إلى مشروع جديد خلافا لما كان عليه التصور ابتداء في انطلاقته، ويرفض أنصاف الحلول وأنواع الترقيع، هو يدرك أنه لا يقوى على هدم النظام المستبد مباشرة، ولا يطيق هذا، وإنما يستنزفه بتفكيك قاعدة دعمه ومحيطه وأذرعه، فليس هو كتلة صمَاء خاملة وإنما ظاهرة متحركة ولَادة، وأكبر إنجازاتها هو هذا الوعي الشعبي المُسيَس المتدفق وحرمان السلطة من التحكم والسيطرة على الجماهير ومنعها من إحكام قبضتها على الشارع والساحات.

والثورة المضادة دليل قوة تأثير الحراك الثوري، وتولد معها أو تتأخر عنها قليلا، وتحاول مطاردتها لتدركها وتخمدها في مهدها وتجهضها، أو تصرفها عن قضيتها بتحويل مسارها، ولو لم يكن للثورة من قوة ضغط هائلة مزلزلة لأركان النظام لما وُلدت الثورة المضادة.

وخطاب ثورتي السودان والجزائر بدا بسيطا سهل الاستيعاب انسيابيا واضحا بعيدا عن أنواع التعقيد ومتاهات التفاصيل، جامعا مُلمَا، فالمبادئ والقيم والمواقف المصيرية الكبرى تجمع والبرامج والتوجهات والإيديولوجيات، وليس هذا أوانها، تفرق وتُشتت، والصناديق الشفافة تحسمها لا السراديب المُظلمة، دون الهيمنة المجحفة أو التعسف في استعمال السلطة.

في جدل التمثيل، ربما تمسك حراك الجزائر برفض التمثيل، خلافا للتجربة الثورية في السودان، والعفوية، فحصَنه هذا من مطاردة الرؤوس والتضييق عليها، وليس في الحراك رأس بارز وإنما ناشطون لا يعرف، أكثرهم، بعضهم بعضها، جمعتهم ساحات الحراك ومنصاته ومواكبه، فكان التفاعل والتعاهد المبكر والتواصي والتوافق، فتمكن هذا الحراك من مطاردة النظام دون أن تُدركه السلطة، لأنه لم يُعيَن ممثلين، على الأقل حتى الآن، وخفف عنه بهذا التباينات التي تصاحب التمثيل، لكنه يقاوم أشكال التضارب داخله فرضتها محاولات بعض التوجهات السيطرة على عقله ومطالبه وغايته، فالتيار الغالب فيه يدفع باتجاه إقامة سلطة مدنية منتخبة بعيدا عن وصاية بقايا النظام القديم وخداع السلطة الفعلية ومناوراتها، لا أن يستبدل حكاما بآخرين مع بقاء النظام المتهالك نفسه، فالتدافع، من داخله، بين أصحاب المطالب الجزئية التي تميل إلى التعامل مع وعود السلطة الفعلية وتعهداتها وبين الكتلة الأكبر التي ترى في اللحظة التاريخية الثورية الراهنة فرصة نادرة لإحداث تحولات كبرى وتحرير الشعب من أنواع الوصاية.

والنهايات أصعب من البدايات وأعقد، وبعض الحراك قد تحسن بدايته وتسوء خاتمته، وما هو آت أشد وطئا وأثقل حملا ممَا مضى، وتحدي البناء التدريجي أكبر من تحدي الهدم، وما جمعه زخم الحراك في أوله قد تفرق بعضه (لأنانية سياسية مفرطة أو سوء تدبير) غواية الحكم وإغراءاته وأوهامه ومغانمه واستعجال قطف ثماره عند اقتراب الحسم أو اشتداد محاولات الاختطاف والسطو من متسلقين أو ثوار منتصف الطريق، فيتحولون بهذا إلى وقود لإشعال الثورة المُضادة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر