يدُ "بيكين" الخفيَة في المنطقة: سيطرة الصين الاقتصادية في المنطقة الواقعة بين شرقها والبحر المتوسط

2019-6-15 | خدمة العصر يدُ

كتب "تسفي برئيل"، معلق الشؤون العربية في صحيفة "هآرتس" أن العاصمة الجديدة التي يقوم ببنائها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قرب القاهرة حظيت في السابق بصفة "الفيل الأبيض"، الذي يشفط مليارات الدولارات ولا يضمن أي مقابل. وقد حظيت باحتفالين فاخرين للتدشين، الأول في ذكرى بناء الكنيسة الأكبر في القاهرة، والثاني عند افتتاح المسجد الكبير في المدينة. ولكن بناء الشقق السكنية لمئات آلاف المصريين ما زال يسير ببطء. قسم من أموال البناء تضخها السعودية والإمارات، ولكن المبالغ الكبيرة تصل من مصدر غير متوقع.

وقال المحلل الإسرائيلي الصين وعدت باستثمار 20 مليار دولار في العاصمة الجديدة، وحتى الآن حولت قرضاً بمبلغ 3 مليارات دولار بهدف بناء الحي التجاري في المدينة. ما الذي تبحث عنه الصين في مصر أو السعودية أو إيران أو باكستان؟ هذا الشهر نشرت شبكة "سي.ان.ان" نبأ مهماً يقول إن السعودية تنوي تطوير برنامج صواريخ بمساعدة التكنولوجيا الصينية. هذا لم يكن النشر الأول حول نوايا السعودية. ففي شهر أكتوبر نشرت صحيفة "واشنطن بوست" صوراً جوية يظهر فيها مصنع لإنتاج الصواريخ قرب مدينة الدوادي ليس بعيدا عن الرياض. في الكونغرس الأمريكي ثارت شكوك غير قليلة وطُلب الإدارة الأمريكية الإجابة على عدة أسئلة ثاقبة حول المشروع، إذ إن الاتهام هو أن الرئيس الأمريكي ترامب لم يشرك الكونغرس في هذه المعلومات الاستخبارية.

قبل بضعة أسابيع من ذلك، أثار الكونغرس عاصفة حول قرار ترامب تحويل تكنولوجيا نووية للأغراض السلمية إلى السعودية، وبعد ذلك قام بتجاوز الكونغرس عندما قرر بيع المملكة سلاحاً بمبلغ 8 مليارات دولار. فعلى الرغم من الحظر الذي فرضه الكونغرس على ذلك، فسر ترامب أن الأمر يتعلق بحالة طوارئ نشأت في أعقاب التطورات في مواجهة إيران، وهذا وضع يمنحه الصلاحية لتجاوز قرارات الكونغرس. هذا التفسير كان يمكن أن يكون مقنعاً لولا حقيقة أن السعودية حليفة واشنطن، هي أيضاً حليفة إستراتيجية كاملة للصين. مكانة تشبه مكانة إيران التي استثمرت فيها الصين 27 مليار دولار في الأعوام 2005 ـ 2018، وأن حجم التجارة بين الدولتين بلغ في العام 2017 مبلغاً مشابهاً. هكذا، بينما تحاول السعودية وأمريكا وإسرائيل صدَ نفوذ إيران في المنطقة لا توجد أي دولة في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل وإيران وتركيا والسعودية، ليست الصين التي تعتبر الجبهة الداخلية الاقتصادية لإيران، لا تشارك في اقتصادها و/أو في صناعة السلاح لديها.

منذ تبنت الصين سياسة "الحزام والطريق" في العام 2013، تلك الخطة التي هدفها الدفاع عن سيطرة الصين الاقتصادية في المنطقة التي تقع بين شرقها والبحر المتوسط، قسمت دول المنطقة (وشرق آسيا) إلى خمس مجموعات، وفقا لتقديرات الكاتب. والمجموعة الأهم والأشمل تضم دولاً تعتبر حليفا إستراتيجيا تطمح الصين إلى إقامة شراكة اقتصادية معها في المجال الإقليمي والدولي، وهذه المجموعة تشمل السعودية وإيران ومصر والجزائر والإمارات. في ورقة مخطط سياستها في الشرق الأوسط عرضت الصين مفهوم "المراسي الثلاثة"، يكون فيها التعاون في مجال الطاقة حجر الأساس، وإقامة علاقات تجارية واستثمارات في البنى التحتية وتشكل وسيلة مساعدة لمجال الطاقة، والأساس الثالث سيتركز في مجال التكنولوجيا المتطورة والتعاون في مجال الذرة والفضاء.

ومن أجل دفع مسار السيطرة على دول المنطقة قدماً، يقول الكاتب، أقامت الصين منتدى تعاون بينها وبين الدول العربية الذي يعقد مرة في السنة على مستوى وزراء الخارجية. هذا المنتدى الذي أقيم في 2004 حظي في السنتين الأخيرتين بزخم كبير بسبب خطة "الحزام والطريق"، وكذا تقدير الصين بأن العقوبات التي تقف أمامها في الغرب، وبشكل خاص أمام الولايات المتحدة، تجبرها على إيجاد بديل.

وتخصص الصين، ضمن الخطة الرئيسية، جزءاً كبيراً من استثماراتها في توسيع وبناء موانئ وإقامة مناطق صناعية قرب هذه الموانئ لإنشاء خطوط ربط فعالة بين المصانع ومسارات النقل البحري. وقد استثمرت المليارات في تطوير ميناء عُمان وموانئ الإمارات وقناة السويس وميناء تقوم الهند بإقامته مع إيران وميناء تقوم بإنشائه الباكستان، إلى جانب استثمارها في موانئ السعودية.

وسياسة الصين المعلنة تقول إنه ليس لهذه الاستثمارات أهداف سياسية وجميعها موجهة لتحقيق أغراض اقتصادية لصالح الصين والدول التي تقوم بالاستثمار فيها. وعدم التبجح الذي يميز النشاطات السياسية للصين في المنطقة مقابل تمددها الاقتصادي يمكّنها من المناورة بشكل جيد بين النزاعات من دون أن تجلب إليها النار من أي طرف.

وهذه الدولة العظمى الكبيرة والغنية تنسحب من المشاركة في مؤتمرات كانت تهدف إلى إنهاء الحروب وحل المواجهات، وهي ليست شريكة في الخطوات السياسية في سوريا أو ليبيا، ولا رغبة لديها في الانشغال بالنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، ويبدو أنه لا موقف لها في قضية النزاع الأمريكي الروسي، ولكن الصين في الحقيقة لا تغيب عن هذه الساحات، فهي تلاحظ الفرص وتستغلها. جنودها لا ترسلهم إلى دول المنطقة، وبدلاً منهم تضع الصين شبكات اتصالات تمكنها من الوصول عميقاً إلى كل مجالات الحياة في هذه الدول، وهي تستخدم القوة الناعمة عبر تطوير السياحة وتشجيع السياح على الوصول إلى دول المنطقة، وبذلك تزيد تعلق هذه الدول بها. وهنا، رأى الكاتب، أنه من الخطأ فحص تمدد الصين الاقتصادي وكأنه لا يوجد فيه نفوذ سياسي.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر