"نيويورك تايمز ريفيو": متهوَر في الرياض

2019-6-11 | خدمة العصر

في فبراير 1945، قام فرانكلين روزفلت، وهو في طريق عودته إلى بلده من مؤتمر يالطا، وقبل شهرين من وفاته، بجولة إلى مصر للقاء الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، مؤسس الدولة السعودية الحديثة. كانت مخاوفهم خطيرة: سعت الولايات المتحدة إلى ضمان الوصول إلى النفط الذي اكتُشف في المملكة قبل سبع سنوات، أراد ابن سعود، كما كان معروفًا، الحماية من التحدي الذي يواجه حكم عائلته، المدعوم من بريطانيا.

في خلال الأربعة وسبعين عامًا منذ إنشائها، كما كتب ستيفن سيمون ودانييل بنيامين في مجلة "نيويورك تايمز ريفيو أوف بوك"، أظهرت العلاقة بين أمريكا والسعودية متانة ملحوظة. أحد أسباب صمودها هو السهولة التي تطورت بها مع ازدهار الشركاء وتغيير السياسة العالمية. لقد تحولت السعودية من مجموعة قبائل صحراوية إلى واحدة من أكبر عشرين اقتصادا في العالم، واستمرت العلاقة أيضًا، إلى حد كبير، بسبب إحجام الزعماء الأمريكيين عن انتقاد السياسة الداخلية للسعوديين، ولا سيَما تجاهلهم لحقوق الإنسان.

وأشار بروس ريدل، مستشار شؤون المنطقة لأربعة رؤساء، إلى أن المثال الوحيد لزعيم أمريكي ضغط على السعوديين من أجل التغيير الداخلي حدث في عام 1962، عندما قام ولي العهد فيصل، بناءً على دعوة من جون كينيدي، بإصلاح القضاء، قدم الرعاية الصحية المجانية والتعليم، وألغى الرق.

لقد أشرف البيت الأبيض منذ فترة طويلة على العلاقات الأمريكية السعودية، كما هو الحال في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، خلافا للعلاقات الثنائية الأخرى. لم تأخذ القيادة السعودية الكونجرس الأمريكي أو وزارة الخارجية على محمل الجد، وسعت دائمًا إلى إقامة صلة مباشرة بالرئيس.

وتمارس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الرياض درجة عالية من السيطرة على التعامل مع المملكة، وتحميها من الدبلوماسيين المتطفلين الذين لديهم أفكار رائعة لتعزيز حقوق الإنسان وإجبار السعوديين على تفضيل السرية. لقد كان الحكم السعودي تقليديا حكرا على عدد صغير من الأمراء المسنين. من بين صانعي السياسة والمحللين الأمريكيين، كثيراً ما يقال إنه لا توجد دولة أكثر غموضًا من المملكة، باستثناء كوريا الشمالية.

قد تنهار اليوم هذه الإقامة الطويلة الأمد نتيجة صعود ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلى السلطة. عبر زعماء الكونجرس الأمريكي من كلا الحزبين عن غضبهم من الوريث البالغ من العمر ثلاثين عامًا لتورطه في اغتيال الصحفي والمقيم الأمريكي، جمال خاشقجي، في إسطنبول في أكتوبر 2018، فضلاً عن الأعمال السيئة الأخرى، ولا سيَما التدخل السعودي في الحرب الوحشية في اليمن التي حولت ذلك البلد إلى أكبر كارثة إنسانية في العالم. وشجعت إدارة ترامب غباء محمد بن سلمان، متفاخرًا بعلاقته الخاصة مع الحاكم الشاب وتجنب انتقاده لمغامراته.

ومع اقتراب التحالف الفعلي من الذكرى الخامسة والسبعين، يتساءل بعض صانعي السياسة والباحثين الأمريكيين عما إذا كان لا يزال مفيدا بالنسبة للولايات المتحدة.

في السنوات التي تلت الحظر النفطي، شكَلت المخاوف الأمنية العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية. وأدى غزو أفغانستان إلى تفاقم المخاوف من سيطرة الاتحاد السوفييتي على الخليج وقطع تدفق النفط، وتعهد الرئيس كارتر بالدفاع عنها بالقوة، لكن سيكون من الصعب المبالغة في اعتماد السعوديين على الضمان الأمني ​​الأمريكي.

وأعادت الأزمة الثانية، هجمات 11 سبتمبر، تشكيل العلاقة بينهما، وأقام رؤساء المخابرات الأمريكية علاقات وثيقة مع الأمير محمد بن نايف، قائد مكافحة الإرهاب المقرب من الولايات المتحدة. وتوترت العلاقات في أثناء سنوات أوباما بسبب الغضب السعودي من رفض واشنطن الوقوف إلى جانب الرئيس المصري حسني مبارك ورفض الولايات المتحدة التدخل عسكريا في الحرب في سوريا. ومن وجهة نظر الرياض، كان هذا بمثابة رد على تنامي نفوذ إيران السريع في العراق بعد أن أطاحت الولايات المتحدة بصدام حسين وتأسيس حكومة يسيطر عليها الشيعة في بغداد.

وتفاقمت خيبة أمل السعودية في الولايات المتحدة بسبب الدبلوماسية التي أدت إلى الاتفاق النووي الإيراني، والذي رأت الرياض أنه يبشر بتقارب أوسع مع إيران ويمهد الطريق لمغادرة الولايات المتحدة لمنطقة الخليج. وتصاعد التوتر في هذه الفترة بسبب دعم إيران لحزب الله في لبنان ومخاوف من "هلال شيعي" تهيمن عليه طهران ويمتد من لبنان عبر سوريا والعراق إلى إيران، لكن الملك الجديد، سلمان، وابنه المفضل، محمد، سرعان ما أظهرا أنهما غير معنيين بتقاليد الحكم.

بعد أقل من شهرين، ألزم محمد بن سلمان قوات التحالف التي تقودها السعودية بحملة عسكرية ضد المتمردين الحوثيين الذين استولوا على العاصمة اليمنية، صنعاء. لكن توقعاته بشأن حرب قصيرة مجيدة تبخرت: لقد أصبحت أكبر وأطول التزام عسكري للمملكة. كان هذا التدخل خروجًا حادًا عن عادة المملكة المتمثلة في تسليح الآخرين مع الإبقاء على قواتها في الثكنات، لكن هذا لم يكن كل جديد. شرع الديوان الملكي في بذل جهد غير مسبوق لتعزيز مركزية السلطة، حيث قضى على العديد من الهيئات الحكومية التي سيطر عليها كبار الأمراء واستبدلهم باللجان التي تضم موظفين تكنوقراط موالين لمحمد بن سلمان.

وكانت هذه التغييرات جزءًا من محاولة أكبر لوصف الحكام الجدد بالإصلاحيين الذين سيتعاملون مع التحديات التي تلوح في الأفق في المملكة العربية السعودية: النمو السكاني الهائل (من أقل من 3.5 مليون في وقت وفاة عبد العزيز في عام 1953 إلى نحو عشرة أضعاف اليوم)، والاقتصاد يعتمد كليا على النفط. في عام 2016، وأطلق الأمير محمد بن سلمان رؤية 2030، وهي خطة بعيدة المدى لتحديث وتنويع الاقتصاد السعودي. وكسر دونالد ترامب التقاليد وقام بأول رحلة خارجية في بداية رئاسته إلى الرياض بدلاً من زيارة الحلفاء الديمقراطيين. كتب توماس فريدمان، كاتب عمود في صحيفة "نيويورك تايمز": "لم أكن أعتقد أنني سأعيش طويلاً بما يكفي لكتابة هذه الجملة: إن عملية الإصلاح الأكثر أهمية الجارية في أي مكان في الشرق الأوسط اليوم هي في المملكة العربية السعودية".

في يونيو 2017، عُين ولي عهد، خلفًا لابن أخ سلمان محمد بن نايف. في نوفمبر التالي، كان لديه ما لا يقل عن مائتي من أغنى رجال البلاد، بما في ذلك عدد من أغنى الأمراء في المملكة، جمعهم واحتُجزوا في فندق "الريتز كارلتون" في الرياض. في صيف عام 2017، مباشرة بعد زيارة ترامب وبدعم من دولة الإمارات، بدأت الرياض حصارًا لدولة قطر، متهمة إياها بدعم الإرهاب وإيران، وبدا أنها مستعدة لغزو جارتها. لقد دمر النزاع مجلس التعاون الخليجي، الاتحاد الإقليمي الذي ساعدت الولايات المتحدة في إنشائه عام 1981 لتقوية الدفاعات ضد إيران. في ديسمبر 2017، استضاف السعوديون رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، ليُجبر على قراءة بيان استقالة على شاشة التلفاز، فالتسامح مع حزب الله أغضب السعوديين. ولم يُفرح عنه إلا بعد أن طالب بعض زعماء العالم بالإفراج عنه، وعاد إلى بيروت، حيث سحب الاستقالة.

في الآونة الأخيرة، قام السعوديون بضخ الأموال للجيش السوداني لمساعدته في إخماد المظاهرات التي أطاحت بالرجل القوي عمر حسن البشير في أبريل الماضي. ويبدو أن المسؤولين السعوديين يدعمون حملة الجنرال الليبي خليفة حفتر ضد الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس. ومما يثير الدهشة، بالقدر نفسه، انفتاح المملكة على إسرائيل، في عام 2015، شارك الجنرال السعودي المتقاعد، أنور عشقي، في نوة سياسية لمناقشة المصالح المتبادلة بين إسرائيل والسعودية مع "دوري غولد"، وهو دبلوماسي إسرائيلي يميني سابق، في مكتب مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن. في عام 2017، بثت وسائل الإعلام السعودية مقابلة مطولة مع رئيس الأركان الإسرائيلي، غادي إزنكوت. في نوفمبر 2018، سرَبت وسائل الإعلام الإسرائيلية برقية دبلوماسية من وزارة الخارجية تطلب من سفاراتها في جميع أنحاء العالم الدعوة إلى تبني أهداف السياسة الخارجية السعودية، ولا سيَما فيما يتعلق بإيران. وقد دافع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن محمد بن سلمان بعد انتقاده في مقتل خاشقجي. كما أفيد على نطاق واسع أن إدارة ترامب تتوقع من السعوديين تمويل اتفاق سلام إسرائيلي فلسطيني. حسب محمد بن سلمان، يجب على الفلسطينيين إما أن يقبلوه أو "يصمتوا".

تسببت أخطاء ابن سلمان في تعريض احتضان الولايات المتحدة للسعودية إلى الخطر، وقد كان هذا واحدا من أعمدة الهيمنة السعودية. لم يحب الأمريكيون، أبدا، المملكة العربية السعودية، ومع ذلك، فإن العلاقة بين جاريد كوشنر (صهر الرئيس ترامب) والأمير محمد بن سلمان هي دليل على النفوذ الدائم للمملكة في واشنطن على الرغم من الاشمئزاز المتزايد ضد ولي العهد. وهذا يشبه العلاقة بين جورج بوش وبندر بن سلطان، ابن وزير الدفاع السابق في المملكة العربية السعودية والسفير لدى الولايات المتحدة من عام 1983 إلى 2005. ويعكس ارتباط كوشنر بمحمد بن سلمان التقارب الطبقي، والمصالح المالية المشتركة، وانطباعات الهيمنة الذاتية. وإحدى نتائج هذا الترابط، تخريب المصالح الإستراتيجية الأمريكية من خلال الصفقات الثنائية التي تخدم المصالح المالية للنخب الحاكمة.

ولكن إلى أي مدى قد تذهب الإدارة الديمقراطية نحو إعادة تعريف العلاقات الأمريكية مع المملكة العربية السعودية؟ قد تكون المقاومة البيروقراطية من داخل مؤسسات الدفاع والاستخبارات كبيرة، وأما شركات النفط والمؤسسات المالية، فقد كانت واضحة بشأن دعمها المستمر للعلاقة. ومع ذلك، يميل الأمير محمد بن سلمان، حتى الآن، نحو الحزب الجمهوري، حتى إن بعض الديمقراطيين لن يروا أي سبب لعدم الدفع من أجل التغيير الجوهري، ويعززون حجتهم بالاعتماد المتناقص للولايات المتحدة، إلى حد ما، على النفط السعودي، نتيجة لتزايد الإنتاج المحلي، والضجر الأمريكي من التورط المكلف في المنطقة.

** لقراءة المقال كاملا: https://www.nybooks.com/articles/2019/06/27/mohammad-bin-salman-reckless-riyadh/

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

مقالات ذات صلة