"هذه ليست نهاية الثورة...إنها البداية فقط": ثوار السودان مُنهكون ولكنهم متحدون يعيدون تنظيم صفوفهم

2019-6-10 | خدمة العصر

كان الطبيب الشاب هارباً منذ أيام، مختبئاً في زاوية هادئة من العاصمة السودانية المليئة بالخوف، الخرطوم، وكان رأسه المصاب محاطاً بالضمادات.

كتبت صحيفة "نيويورك تايمز"، في تقرير أعدته من الخرطوم، أن هذا الطبيب، ضياء علي، شهد حملة القمع يوم الاثنين الماضي عندما هاجمت القوات شبه العسكرية وسط الخرطوم، وأطلقت النار على المتظاهرين السلميين وأحرقت الخيام واعتدت على النساء. أحصى الأطباء 118 حالة وفاة على مدار عدة أيام ، مع سحب 40 جثة من نهر النيل. واعترفت الحكومة بـ61 حالة وفاة.

د.علي، 24 سنة، ساعد في علاج الجرحى، ثم هاجموه. يرقد، الآن، في شقة أحد الأصدقاء. هاتفه الذكي، الذي كان يوما ما أداة أساسية للاحتجاجات، خاملًا على الطاولة: لقد قطعت الحكومة الوصول إلى الإنترنت. لم يجرؤ على المغامرة في الخارج، حيث جابت القوات شبه العسكرية الشوارع. بالنسبة للمتظاهرين الذين تجرأوا على تحدي الحكام العسكريين في الدولة الإفريقية الشاسعة، بدت هذه لحظة قاتمة: انتفاضة عربية أخرى أحبطت بفعل الاستبداد والعنف والقمع. لكن الدكتور علي لا يزال متحديا، بل ومفعما بالأمل: "هذه ليست نهاية الثورة...إنها البداية فقط".

لفت السودان انتباه العالم قبل بضعة أشهر عندما حاصر الآلاف من المتظاهرين العاصمة، وقد سئموا المصاعب الاقتصادية وعهد الرئيس عمر حسن البشير الذي دام 30 عامًا. تحت ضغط شديد، أجبره الجنرالات العسكريون المحيطون به على التنحي، وبدأوا في إدارة البلاد بأنفسهم ووعدوا بالتغيير. لكن التفاؤل الكبير الناجم عن سقوط البشير أفسح المجال لتوترات جديدة، حيث قاوم الجنرالات مطالب المحتجين بالانتقال السريع إلى الحكم المدني. ثم جاءت حملة القمع قبل أسبوع.

وعلى الرغم من موقف الطبيب علي المتفائل، فإن الثوار السودانيين السريين يعارضون قوى هائلة، داخل وخارج البلاد. وقد قاموا، أمس الأحد، بمحاولة جديدة لانتزاع السيطرة من المجلس العسكري بإعلان إضراب عام أصاب الخرطوم وغيرها من المدن الكبرى بالشلل. كانت الشوارع مهجورة إلى حد كبير وأغلقت المتاجر أبوابها. المتظاهرون وضعوا المتاريس في شوارع الضواحي، وقال أطباء إن قوات الأمن قتلت ثلاثة متظاهرين على الأقل. المتظاهرون لديهم ساحة كبيرة لاستعادتها، هي مجال أحلامهم، موقع الاحتجاجات الشاسع على أبواب المقر العسكري في الخرطوم، حيث ساعد حشد كبير من الناس على الإطاحة بالبشير في أبريل الماضي.

ارتكبت قوات الدعم السريع، وهي جماعة شبه عسكرية سيئة السمعة، المجزرة يوم الاثنين الماضي، وشددت قبضتها الحديدية على المدينة. في الشوارع الرئيسية، يتجمع الجنود تحت الأشجار أو يتجولون بشاحنات "بيك آب" مثبتة بالرشاشات. في جنوب المدينة، تصطف عشرات المركبات العسكرية على الجدار الداخلي لملعب رياضي. يتم إيقاف العشرات في حديقة ترفيهية قريبة.

يعتبر الرجل الأقوى في العاصمة الجنرال محمد حمدان، والمعروف باسم حميدتي، قائد قوات الدعم السريع، حتى وإن كان المجلس العسكري يقوده جنرال آخر هو عبد الفتاح برهان. برز هذا الجنرال قائدا لميليشيات "الجنجويد" المُتهمة بارتكاب فظائع الإبادة الجماعية في منطقة دارفور بالسودان قبل سنوات، وقام، الآن، بنقل قواته إلى الخرطوم، بدعم من رعاة أقوياء في السعودية والإمارات الذين أغدقوه بالمال والسلاح والمشورة.

مركبات مصفحة إماراتية تقوم بدوريات في شوارع الخرطوم. تعهد السعوديون والإماراتيون بتقديم 3 مليارات دولار مساعدات لدعم الاقتصاد السوداني المنكوب. وقد طار "حميدتي" إلى الرياض للقاء ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الشهر الماضي. وفي هذا السياق، كشف طيار سابق في شركة الطيران، صديق أبوفواز، وهو الآن في المعارضة، أن طائرات شحن سعودية وإماراتية هبطت في مطار الخرطوم في الأسابيع الأخيرة، على ما يبدو تحمل معدات عسكرية. وقال: "لقد قاموا بتفريغ الكثير من الصناديق الثقيلة وبعض المركبات العسكرية".

وفي مواجهة القوة الساحقة والقسوة الرهيبة لقوات الدعم السريع، خرج المتظاهرون، ومعظمهم من الشباب السوداني بقيادة أطباء وغيرهم من المهنيين، من تحت الأرض، ولكن تعطيل الانترنت أضر بهم كثيرا.

ففي خلال الانتفاضة التي استمرت 11 أسبوعًا، والتي أطاحت بالبشير، استخدم المتظاهرون وسائل التواصل الاجتماعي للتنظيم وتفادى قوات الأمن والإعلان عن الانتهاكات. وأما الآن، فحفنة من الفنادق وبعض المنازل، فقط، متصلة بالإنترنت، تاركين المحتجين عالقين. وقال أحمد بابكر، وهو طبيب أسنان، تحدث عبر الهاتف من مكان اختبائه في أحد أحياء العاصمة الخرطوم، في أحد معاقل الاحتجاجات: "لا يريدون أن تُظهر الحقيقة للعالم". وقال إن المرة الأخيرة التي غامر فيها بالخروج في الأيام الأخيرة كانت لحلاقة شعره، لتجنب قيام قوات الدعم المتجولة في الشوارع، الذين كانوا يحلقون شعر المتظاهرين المشتبه بهم بالقوة.

وقد أمرت جمعية المهنيين السودانيين، التي ساعدت في قيادة الاحتجاجات التي أطاحت بالبشير، مؤيديها بتجنب المواجهة مع قوات الأمن في أثناء الإضراب العام، الذي يقولون إنه سيستمر حتى يتخلى الجيش عن السلطة. لكنهم يواجهون قوة جهاز بشير الأمني القاسي، الذي يعيد الآن فرض نفسه بحماس. "الدولة العميقة لا تزال قائمة ولا تزال تدير البلاد"، كما قال رضوان داود، أحد زعماء المعارضة، مضيفا: "يمكنك أن تشعر بها في كل مكان... ما زلنا في عهد البشير".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر