الساروت... فارس ترجل ومضى وأحيا أمجاد الثورة قبل مغادرته

2019-6-9 | خالد حسن الساروت... فارس ترجل ومضى وأحيا أمجاد الثورة قبل مغادرته

عن الساروت: وكن ثائرا صادقا إن أتوا بعدهُ ..يقولون مرّ وهذا الأثر..كالنخلة إذا استوت شمخت مرتفعة طامحة إلى الأعالي: رآها الناس، فاستظلوا بسعفها...سلك طريق الوفاء والمبادرة المبكرة إلى التعاهد الثوري..وما نكص ولا جبن ولا استراح ولا استلقى..ومات شامخا مقبلا غير مدبر..

الثائر "الشهيد" عبد الباسط الساروت يختصر قصة الثورة السورية بمخاضها العسير وتحولاتها العميقة...لم تصنع "الإديولوجيا" ولا "التوجه" خياراته ومواقفه، وإنما ضغط الحقائق على الأرض وأوجاعها ومرارتها وتعقيداتها وربما تناقضاتها...فليس الساروت، في الأخير، إلا تعبيرا صادقا عن حقائق أُريد لها أن تُطمس لكنها تجلت في شخصه...

الساروت، وأمثاله كثر في ثورة سوريا، فوق التصنيف، تتعب نفسك إذا حاولت تصنيفه، لأن مجال "الإيديولوجيا" هو بعض الثورة وليس مهيمنا إلا في حدود، فالثورة لا يمكن اختصارها ورسم ملامحها في مدارس وتوجهات، فهي أكبر من ذلك، والتقسيم الحدَي الصارم ينسجم مع العقل التصنيفي، لكنه لا يعبر عن عمق الثورة وروحها.

ليس من الطينة الثورية التي يُملى عليها، هو أقرب إلى شخصية ملهم الثوار وأحد قادتهم البارزين "عبد القادر الصالح" (حجي مارع قائد لواء التوحيد سابقا)، عقله مهموم، ملأت الثورة حياته وتفكيره، قضيته الأولى والأخيرة، لم يقتنع بأي اقتتال داخل الثورة، كان يرى في كل ما يضر بالثورة خيانة وغدرا، ولا يُعرف أنه شارك أو تورط في كل ما من شأنه إضعاف لقضية الثورة من داخلها...غلبت عليه إرادة قتال النظام وحلفائه، لم تفتر ولو للحظة، ولعله من بين كثيرين، ولكن لا نعرفهم، خطوا لأنفسهم خطا واضحا أن لا قتال إلا ضد النظام، وأن لا معارك إلا ما كان استنزافا لميلشيات الأسد أو صدا لهجوم أو استعادة لمناطق، كان حريصا على صرف أكثر ثورته ضد رؤوس الإجرام وقادة المحرقة: النظام وحلفاؤه، لم يتسع وقته الثوري لصراعات ومعارك داخلية، ولا مكان لمثل هذا في تفكيره.  

"استشهاد" الساروت ذكَر بمعدن الثوار على سجيَتهم، ثوار ما قبل التقسيمات والتصنيفات: وطنية وجهادية، محلية وأممية، مولع بالثورة لا حياة له خارجها، هي كل يومه وكل تفكيره، وما في جبته إلا ثورته. اتهموه وشوهوه وأخرجوه من ملة الثورة، ثم تاجروا باستشهاده، هؤلاء الذين خذلوا الساروت وثورته وعافتهم نفسه الثائرة السوية. لم يفرق بينه وبين الثورة إلا الموت، غادرها محمولا على الأكتاف، مقبلا غير مدبر، في وقت نهوض وعزم وتلاحم، غادرها وقد استعادت الثورة بعض عافيتها..غادرها بعد أن نال شرف إحياء أمجاد الثورة في الريف الحموي، وخط بيده مع جموع الثوار في معمعة معارك الثبات والصمود الرهيبة الأخيرة، درسا عظيما من الخطوط الأمامية: عندما تشتعل الجبهات ويتلاحم الثوار، ثباتا وصمودا، يُصنع المجد والعزة وتُدفن العصبيات والفتن وتُؤجل الخلافات والحسابات.. الساروت هو وجه الثورة العصية على الإخضاع والتركيع..الثورة التي تضعف وتفتر لكنها سرعان ما تستفيق وتنهض مجددا..يكثر فيها العتب والتلاوم لكنها تتلاحم عند الخطوط الأمامية..

الساروت مجد الثورة السورية ةبراءتها وعمقها وبساطتها ووفاؤها وصدقها، هو الوجه الذي يُراد مصادرته وطمسه وتغييبه من الثورة.. ثائر ما قبل التقسيمات والتصنيفات وما بعدها.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر