الحراك الشعبي الجزائري وتيار التكفير السياسي

2019-6-8 | محمد الأمين مقراوي الوغليسي الحراك الشعبي الجزائري وتيار التكفير السياسي

بقلم: محمد الأمين مقراوي/ أستاذ جامعي ومحلل سياسي جزائري

كشف الحراك الشعبي الجزائري حقائق عديدة؛ لم نكن لنكتشفها لولا حرارته التي أخرجت ما في قلوب الكثير من متصدري الكتابة والفيديوهات في شبكات التواصل الاجتماعي، فقد كشف الزخم الشعبي الذي يصدر هديره كل جمعة وكل ثلاثاء أن الكثير ممن كان الشعب الجزائري يعتقد أنهم في صفه إنما كانوا يبحثون عن مجد شخصي أو قبلي، وانتقام لذاتهم المكلومة أو ثأر لقبيلتهم المغمورة.

فظهرت العنصرية في أقبح صورها، وتصدرها شعار الزواف، الذي صار شعارا تكفيريا بامتياز، يستحل العرض والأرض، وما استحل قوم عرض قوم وشوهوا تاريخهم إلا انتقلوا إلى قتلهم واستباحة أعراضهم، وتأمّل في الغلو الذي كانت عليه "الجاميّة" التي كانت جماعة تكفر غيرها تكفيرا ناعما، فلما تهيأت لها الظروف في ليبيا، تحولت الجاميّة إلى جماعة تتخذ القتل الممنهج والتمثيل منهجا في التعامل مع خصومها بالأمس، وتحولت لغة البيانات إلى استعمال الرشاش والإبادات، فظهر "الورفلي" القاتل الذي ينفذ الإعدامات الميدانية بـAK74 كنموذج لهذا التحول المرضي.

الفكرة واحدة، والمسمى يتنوع، الجامية قتلت باسم البدعة المكفرة، والجرابيع والشوشانيون والعروبيون يتكئون في تكفيرهم السياسي لخصومهم على فكرة نقاء العنصر، وحتى لا يظهر هؤلاء بمظهر الرجل الأبيض حين كان يستحل قتل السود لأنهم سود دون سبب آخر، اهتدوا إلى الإستراتيجية الخمينية في تعبئة أتباعهم، فإيران الحالمة بعودة الإمبراطورية الفارسية، تعلم أن الاعتماد على الشعور القومي غير كافٍ؛ لذلك صارت تصدّر خطابها إلى الشعب الإيراني من منطلق عقائدي وقومي، إستراتيجية تعتمد ضرب القومية العربية بالفارسية، والصبغة السنية بصبغة التشيّع، وهذا ما فعله العنصريون المكفرون لخصومهم انطلاقا من نقاء العرق، فاخترعوا شعار الباديسية النوفمبرية؛ ليشرعنوا مشروعهم الإجرامي الذي ستكون نهايته أنهارا بل بحارا من الدماء، وتشرد شعب ظل محافظا على تنوعه، بل رسخت آليات التعايش التي عرف أهله، حيث تصاهر الجميع في هذه الأرض الطاهرة، وعندما دخلت فرنسا الصليبية الجزائر تكاتف الجميع، وعندما أعلن شباب الجزائر الأحرار الجهاد ضد المستعمر ثار كل الشعب بكل فئاته وشرائحه وأطيافه، يريدون تدمير هذا النسيج الاجتماعي والثقافي الذي دام قرونا؛ إرضاء لأفكار لعنها الإسلام لعنا كثيرا.

وبعد هذا انطلقوا في بث تطرّفهم، فقرأنا وتابعنا كيف كفروا سياسيا الشيخ طاهر آيت علجات ورفاقه من العلماء وطلاب العلم، وعندما يحتقر هؤلاء رجلا مثل طاهر آيت علجات، وهو واحد من تلاميذ الشيخ ابن باديس وأفقه من بقي من تلاميذه، وعندما يكفرون سياسيا الشيخ العلامة طاهر آيت علجات صاحب 103 عاما، وهو الذي جاهد وكان مفتيا عند القائد العقيد عميروش، عندما يحاولون اغتيال سمعة وقيمة العلامة طاهر آيت علجات بتهمة "الزوافية"، ويصفونه بالزوافي والعميل، فهم لا يختلفون عن الذبّاح جمال زيتوني، الذي أمر أمير كتيبة بوفاريك المجرم المسمى "الأمير عماد" بتفجير رأسي محمد السعيد وعبد الرزاق رجام، وهو يقول في اجتماعه المصغر مع 12 مجرما مثله "جاءتني ورقة من الأمير تأمرني بقتلهما، إنهما من الجزأرة إنهما مرتدان"، عندما فجر رأس محمد السعيد -رحمه الله- (أبرز قادة تيار الجزأرة والجبهة الإسلامية للإنقاذ) انتقل ليفجر رأس عبد الرزاق رجام، ليأتي شاب في 18 من عمره ويفرغ رصاصات من رشاشه وهو يقول موت يا الجزأرة يا المرتد.

عندما يتعالى سفهاء الجزائر على أمثال الشيخ طاهر آيت علجات والفقيه لخضر الزاوي، فاعلم أنه سيخرج من ظهورهم خوارج ذباحون لا يختلفون عن جمال زيتوني وتابعه عماد. وهؤلاء الذين يفجرون في الخصومة يحملون نفس منطق التكفير والتهميش والإقصاء الذي حمله المجرمون في تاريخ الأمة؛ ليخرج علينا المدعو شوشان (الضابط السابق في الجيش المنشق المقيم في لندن) صاحب اللسان الطعان اللعان البذيء، هذا الذي يلمز أعراض العلماء والعامة ونساء المسلمين ببيان وقعه له تحت الخدمة قريبه المدعو عثمان شوشان الذي أصبح بين ليلة وضحاها من أقلام السلطان والدبابة، وما أحط هاته الأقلام، خرج ببيان ليقول للناس هذا هو البيان الشرعي، ربما لأن من وقعوا بيان علماء الجزائر جهلة أو مرتدون زوافيا لا يجوز أخذ البيان منهم.

عندما اشتد إصرار الشعب الجزائري المسلم، وهو شعب معصوم الدم ومحرم العرض، لا يجوز الانتقاص منه ولا الطعن فيه ولا سبه ولا شتمه، فهذا محرم بإجماع المسلمين، وهذا من الثوابت التي لا تقبل الاجتهاد والنقاش، ظهرت فكرة جديدة، فكرة تسفيه واحتقار الشعب من طرف هاته الفرقة المارقة؛ التي لا تختلف عن جماعة عنتر زوابري (أمير الجماعة الإسلامية المسلحة في التسعينيات) في منهجها، حين أصدر السفّاح زوابري بيانه الشهي: "الأوامر الأسمى في إزالة المنكرات العظمى"، واعتبر فيه كل من يقعد عن الالتحاق بجماعته كافرا مرتدا يجوز بل يجب قتله، وهو نفس المنطق الذي يركن إليه جماعة التكفير السياسي والعرقي والقومي الجدد ضد ملايين الجزائريين، حينما يصف جربوعة (الشاعر محمد جربوعة) المعركة بأنها معركة بين قريش وأعدائها، وحينما يصف الشعب بالحثالة الحقيرة، وحينما يصف شوشان المسلمات والمسلمين بالجواري والغلمان في قذف صريح لأعراض آلاف المسلمين والمسلمات من الطلاّب والطالبات؛ لأنهم رفعوا شعارات ضد قائده الملهم المحدث العبقري البطل المجاهد الملك الصالح، قاهر العلوج (الزواف) المؤيد بالنصر والتمكين.

كشف الحراك الشعبي أن مرض التكفير لصيق بالأفكار، قد يتجلى يوما على شكل تكفير ديني، وقد يتجلى على صورة تكفير سياسي، وقد يتجلى على شكل تكفير عرقي، وأن الشعارات المقدسة ما هي في الحقيقة إلاّ معبر نحو مسالخ تسلخ فيها الأرواح وتنتهك فيها الأعراض، وقد يستهزيء البعض بهاته الحقائق، لكن من يستذكر دروس التاريخ يعلم أن الدولة الفاطمية التي قتلت الآلاف من المسلمين في المغرب العربي قد بدأت بفكرة بل ومن رجل وافد، أي أبي عبد الله اليمني، ومن يستذكر التاريخ يتذكر أن دولة الموحدين التي قامت على قتل وسحل وإبادة المسلمين والمسلمات في دولة المرابطين، قد رفعت شعار الموحدين ضد المجسمين، وكان شعارا كافيا لتحصد آلة الموت آلاف المسلمين من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال.

لتظهر الأيام أن شعب الجزائر الذي وصفه ابن باديس -رحمه الله- بالشعب المسلم، هو شعب "مبردع" كما يصفه هؤلاء التكفيريون العنصريون، شعب "مبردع"، أي شعب حمار مكون من الحمير، حيث صار الجزائري حمارا وأضحت الجزائرية أتاناً. إذن، ها قد تطورت أفكارهم وشعاراتهم بسرعة؛ حتى انتقلوا بالشعب من الباديسية النوفمبرية إلى "البردعية" والزريبة والحمير، فإنهم سينتقلون غدا إلى التصفية والإبادة بدم بارد لو تسمح وتتهيأ لهم الظروف.

إن الفكرة العنصرية والقومية تشعل في البدء حربا قومية ثم تنتهي بحرب دينية لا تترك رأسا على رأس ولا حجرا على حجر، وإن كان ابن باديس ومجاهدو نوفمبر -ومنهم عباسي مدني الذي رفض زعيم تيار قريش الترحم عليه "ربما يراه زوافيا كافرا"- قد طردوا الاحتلال فإن هؤلاء العتاة البغاة قد يجلبون إلى الجزائر احتلالا يجمع كل شذاذ الآفاق في أرض الشهداء؛ ليعيثوا فيها قتلا وتخريبا وتشريدا وتفكيكا.

رد الله عادية المنافقين والعنصريين وكل رويبضة وكل شاعر غاوٍ ورد الله عادية من يتلاعب بمصير الجزائر ويقامر ليشفي غليل نفسيته الخبيثة والمريضة، ووفق الله كل جزائري مسلم حر للصدع بالحق في سبيل رد عادية وصولة التكفيريين الجدد.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر