الوضع مفتوح على خيارات سيئة: هل يمكن لزعيم الميليشيات "حميدتي" تحديد مستقبل السودان؟

2019-6-5 | خدمة العصر الوضع مفتوح على خيارات سيئة: هل يمكن لزعيم الميليشيات

وصلت المعركة من أجل مستقبل السودان إلى نقطة حرجة من خلال القمع الوحشي لمعسكر الاحتجاج في الخرطوم. يعتمد أكثر ذلك على كيفية التعامل مع طموحات نائب الرئيس المؤقت وقائد ميلشيات "الجنجويد" سابقا، محمد حمدان دجالو المعروف بـ"حميدتي".

في الأشهر القليلة الماضية، بينما نظم المحتجون اعتصاما في الخرطوم، كما أورد تقرير "فرانس 24"، كان الأوباش يتسللون تدريجيا وتؤكد وجودها في العاصمة السودانية.

يبدو أن الجنود المدججين بالسلاح الذين يرتدون الزي العسكري "الكاكي" الصحراوي يسيطرون على المدينة، ويتمركزون على كل جسر وتقاطع شوارع وحول معسكر المعارضة الرئيسي في الخرطوم. ولم يكن المسلحون جزءًا من الجيش السوداني، كانوا ينتمون إلى قوات الدعم السريع (RSF) ، وهي مجموعة شبه عسكرية ولدت من نزاع دارفور، ويقودها أمير حرب يثير رعبه بين القبائل غير العربية في المنطقة السودانية الغربية التي عانت من وحشيته.

كان محمد حمدان دجالو، المعروف على نطاق واسع بلقبه "حميدتي"، قائدًا لميليشيات "الجنجويد" المدعومة من الحكومة والمتهم بارتكاب جرائم حرب في دارفور. حصل مقاتلوه على ترقية رسمية عندما شكلت حكومة الرئيس المخلوع، عمر البشير، قوات الدعم السريع في محاولة للسيطرة على القوات شبه العسكرية العاملة في المناطق النائية في السودان.

من قائد بسيط للجنجويد المتواضع، صعد "حميدتي" إلى الرجل الثاني في السودان بعد الإطاحة بالبشير في 11 أبريل. أصبح قائد قوات الدعم السريع البالغ من العمر 40 عامًا يشغل الآن منصب نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي الحاكم في السودان.

وبينما يقود المجلس العسكري الانتقال، الجنرال عبد الفتاح البرهان، يعتقد معظم السودانيين أن "حميدتي" هو العقل المدبر وراء القمع الدموي الذي تعرض له المتظاهرون في الخرطوم، يوم الاثنين، والذي أدى إلى مقتل 38 مدنياً على الأقل.

بعد ساعات من مجزرة فض الاعتصام البشعة، أعلن برهان أن المجلس العسكري قد تخلى عن فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات متفاوض عليها مع زعماء المعارضة، وأن البلاد ستجري انتخابات في غضون تسعة أشهر.

بعد وقت قصير من فجر يوم الاثنين، وبينما كانت قافلة من ميلشيات الدعم السريع تتجه صوب معسكر الاحتجاج في الخرطوم، مع بدء حملة قاتلة ضد المدنيين العزل، بدأت مقاطع الفيديو التي أطلقها الناشطون السودانيون في الظهور على موقع تويتر باستخدام كلمة واحدة فقط باللغة العربية أو الإنجليزية: الجنجويد. وقال التقرير إن سياسة الأرض المحروقة الوحشية التي اعتمدتها الخرطوم منذ عقود في مناطق الأطراف مثل دارفور وجبال النوبة وكوردفان قد وصلت إلى العاصمة، وارتكبوا في الخرطوم من المخازي والانتهاكات ما فعلوه في دارفور لسنوات. وكان الحديث في أوساط النخبة في السودان أن ما قام به هذا المجرم الدموي (حميدتي) في دارفور لا يمكن القيام به في الخرطوم، ولكنه فعلها تحت سمع وبصر الجميع.

وأشارت التقديرات إلى أن الثورة الشعبية السودانية السلمية قد وصلت إلى نقطة حرجة، يمكنها أن تحدد ما إذا كان البلد يمضي في طريق التحرر من وصاية حكم العسكر أم محكوم عليه بفوضى الانقلابات الدموية.

ويعتمد هذا، في أكثره، على كيفية التعامل مع طموحات حميدتي، وما إذا أمكن ترويض ميلشياته أو احتوائها قبل أن تحدث الفوضى في السودان أو عبر حدود البلاد مع جيرانها المضطربين، مثل ليبيا وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى.

ووفقا للصحفي المتابع للشأن الإفريقي، باتريك سميث، فإن كثيرا من الناس "يعتقدون أن "حميدتي" هو القوة الحقيقية في النظام الحاليَ. عندما أعلن الجنرال عبد الفتاح برهان الانتخابات في غضون تسعة أشهر، بدا أن قوات الدعم السريع كانت تسيطر على جدول الأعمال. والسؤال المطروح الآن: من سيقدم الجيش؟ هل سيفرض حاكما مدنيًا أم عسكريا، في إشارة إلى عبد الفتاح السيسي، الجنرال العسكري الدموي الانقلابي الذي استولى على السلطة في مصر، برهان ليس لديه شخصية ليكون قائداً ، لذا هناك تساؤلات حول ما إذا كان "حميدتي" شخصية شبيهة بالسيسي في السودان".

وإذ بدا من غير الواضح ما إذا كان اتجاه "حميدتي" استنساخ تجربة السيسي في السيطرة على السلطة، فقد اصطف مع القوى الإقليمية نفسها التي تدعم الحاكم العسكري في مصر. يرتبط كل من برهان وحميدتي بعلاقات وثيقة مع الداعمين الرئيسيين للسيسي في الخليج: السعودية والإمارات.

تنتشر القوات السودانية في الخطوط الأمامية في الحرب التي تقودها السعودية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، وهي خدمة يُكافأ عليها برهان وحميدتي، وقد تعهدت كل من الرياض وأبو ظبي بتقديم مساعدات بقيمة 3 مليارات دولار إلى حليفها العربي المجهد مالياً، السودان.

وجاءت حملة القمع يوم الاثنين في ساحة الاعتصام في الخرطوم بعد أيام من عودة القائدين العسكريين من رحلات إلى الخليج، حيث تم تشجيعهم على اتخاذ موقف صارم ضد المتظاهرين لتجنب تكرار "الأوضاع المأساوية في ليبيا واليمن"، كما أوضح ماثيو غويدير من جامعة باريس في مقابلة مع وكالة "فرانس برس".

قد لا ينتمي دجالو (حميدتي) إلى نخبة حوض النيل السوداني، لكنه رجل ثري جدا قادر على شراء النفوذ في بلد نخره الفساد. ويُعتقد أن قواته تحصل على رواتب أفضل من الجنود السودانيين، وقد عرض علانية دفع رواتب الشرطة من الأموال التي جمعها من حرب اليمن. ويمكن للمال أيضًا شراء النفوذ في الانتخابات.

وقد رفض زعماء الاحتجاج السوداني محاولة المجلس الانتقالي العسكري لإجراء الانتخابات في غضون تسعة أشهر، مع إصدار جمعية المهنيين السودانيين، المعارضة الرئيسية بيانًا يعلن فيه: "لا المجلس الانقلابي، ولا ميليشياته، ولا زعماؤه هم الذين يقررون مصير الشعب، ولا كيف تنتقل السلطة إلى حكومة مدنية".

يُنظر على نطاق واسع إلى الدعوة إلى الانتخابات من قبل المجلس العسكري على أنها محاولة لإنهاء حركة الاحتجاج والحد من نفوذ المجتمع المدني وأنصار المعارضة، بمن فيهم النساء والشباب، الذين نظموا حركة احتجاج نموذجية في جميع أنحاء البلاد قبل حملة القمع يوم الاثنين الماضي. "الانتخابات لن تكون ذات مصداقية، والجميع يعلم ذلك، حتى الجيش يدرك ذلك. المشكلة هي ما إذا كانت هناك انتخابات". وأوضح المحلل السياسي "سميث" أن أفضل أمل للجيش هو استخدام الوعد بالانتخابات وسيلة لمنع حركة الاحتجاج وعدم إجراء الانتخابات.

ومع أنه من غير المرجح أن يخوض "حميدتي" الانتخابات، إلا أن قليلين يعتقدون أنه على استعداد للتخلي عن السلطة الآن بعد أن تذوقها على أعلى هرم الحكم. ويضمن قربه من السلطة أيضًا عدم مساءلة الجنرال "حميدتي" عن انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها ميلشياته. وهنا، تساءل الباحث في الشأن السوداني "اريك ريفز"، مستفهما: "هل يمكن  للقوات المسلحة السودانية عكس المسار الذي رسمته ميلشيات الدعم السريع (بقيادة الجنرال حميدتي) وهي تتحرك في جميع مناطق الخرطوم الحضرية والسودان بالعنف والدمار؟. ويبدو، وفقا لتقديرات مراقبين، أن الوضع في السودان مفتوح على كل الخيارات السيئة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر