"يديعوت أحرنوت": "إسرائيل" لن تنتصر في الحرب المقبلة

2019-6-4 | خدمة العصر

كتب المحلل العسكري الإسرائيلي في صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية، رون بن يشاي، أن "إسرائيل" في الحرب المقبلة لن تُهزَم، لكنها أيضاً لن تنتصر. وسواء كانت هذه معركة في غزة، أو حرب لبنان الثالثة أو حرب الجبهة الشمالية الأولى (لبنان وسورية)، أو مزيج محتمل منها كلها، فنحن محكومون بأن تنتهي من دون حسم واضح، وبإحساس من المرارة، بينما سيخرج العدو من تحت الأنقاض، ينفض عنه الغبار، رافعاً شارة النصر.

وادعى أنهم سيحققون ردعا سيصمد في أحسن الأحوال عدة سنوات، وتسوية لإنهاء القتال عبر وسطاء دوليين، لكن غياب نصر عسكري واضح وعلى صعيد الوعي في ساحة القتال سيقضم هذا الردع، ونتيجة ذلك سيقصر مهلة الهدوء حتى المواجهة العسكرية الكبرى. وقال إن وجود فترات هدوء طويلة بين جولات القتال الكبرى أمر مهم، لأنها تسمح بنمو اقتصادي وتؤمّن نوعية الحياة لـ"مواطني إسرائيل".

ونقل أنه بعد أيام قليلة من توليه منصبه، عقد رئيس الأركان، أفيف كوخافي، اجتماع عصف فكري استمر بضعة أيام بمشاركة كبار مسؤولي الجيش. وكان الغرض منه واحد: توضيح مغزى مصطلح "انتصار" وتحديده. أي ما الذي يجب أن يحققه الجيش الإسرائيلي في الحرب المقبلة كي يكون واضحاً في نهايتها أنه انتصر ولم يخسر. استنتاجات اللقاء لها أهمية ميدانية لذلك بقيت سرية. لكنني أسمح لنفسي بالتنبؤ بأن إسرائيل لن تنتصر في الحرب المقبلة.

نحن لن ننتصر، وفقا لتقديرات المحلل العسكري "بن يشاي"، ليس لأن الجيش غير مستعد للحرب أو لأنه غير قادر على إخضاع العدو. في تقديري أن الجيش الإسرائيلي اليوم قوي وعلى مستوى عالٍ من الاستعداد، سواء من أجل خوض حرب غير متناسبة أو حرب تقليدية على جبهتين أو ثلاث جبهات في آن معاً. ما يمنع الحسم العسكري والانتصار هو ظواهر اجتماعية وعقلية سياسية نمت في المجتمع المدني وفي علاقات المجتمع بالجيش في إسرائيل بعد حرب يوم أكتوبر 1973].

في تلك الحرب التي شنتها مصر وسورية بصورة مفاجئة، تكبدنا خسائر بشرية كبيرة ثمناً للجمود الفكري (النظري)، الناجم عن غطرسة شعبة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي، وعن عدم استعداد القوات، وأداء عسكري سيء في المعارك. لكن على الرغم من ظروف بداية الحرب التي انطبعت صدمة في وعي الجمهور الإسرائيلي، انتهى القتال على بعد 101 كيلومتر من القاهرة و40 كيلومتر من دمشق، وكان انتصاراً ساحقاٌ مادياً وعلى مستوى الوعي.

تأثير حرب أكتوبر في الجمهور الإسرائيلي كان معقداً وبرز من خلال ظاهرتين:

من جهة، ضعف الخوف على الوجود المغروس في نفوسنا منذ إعلان ديفيد بن - غوريون إقامة الدولة اليهودية في أرض إسرائيل. ومن جهة أُخرى، ازدادت حساسية الجمهور في إسرائيل حيال الخسائر بين الجنود، وتطورت نظرة غير عقلانية تقارب حدود هستيريا عامة بشأن موضوع الأسرى والمفقودين.

هاتان الظاهرتان تسببتا في مسارات تضر بالمناعة الوطنية، وتخرب بصورة بارزة قدرتنا على الانتصار في الحروب وعلى ردع أعدائنا.

الخطِر بصورة خاصة هو الضرر اللاحق بالأمن الناجم عن الحساسية غير المتناسبة حيال الخسائر. منذ عملية السور الواقي في سنة 2002، يشوش هذا الاتزان لدى متخذي القرارات في المستوى السياسي- المدني، واستعدادهم للمخاطرة لدى إقرارهم عمليات القوات البرية. وأيضاً تآكل الحافز لدى القادة الميدانيين، والاستعداد للسعي للاحتكاك والإصرار على تنفيذ المهمة نتيجة ضغط الجمهور عليهم، وتفضيله المحافظة على حياة أفرادهم على أي اعتبار آخر.

في حرب لبنان الثانية، على سبيل المثال، والتي أُديرت بعدم حرفية وفهم من السياسيين وأيضاً من العسكريين، أُعطيت في جميع الحالات تقريباً الأولوية لإخلاء المصابين وليس لتنفيذ المهمة العسكرية. مرة تلو الأُخرى، في اللحظة التي تكبدت فيها قواتنا خسائر جرّاء نيران حزب الله، ركّز رجالنا على معالجة المصابين وإخلائهم، بدلاً من السعي لتنفيذ المهمة (أيضاً لأن تحديد المهمات في هذه الحرب كان غامضاً وغير واضح). ليس غريباً أن يترسخ في عقلية الجمهور خدش ذهنبي بحسبه، "سلامة أولادنا" (الجنود) تأتي قبل سلامة المواطنين الذين يدافعون عنهم. وهذه العقلية ما تزال موجودة الآن أيضاً.

في الإمكان تفسير ذلك بعدم وجود رغبة وإرادة لدى الجمهور الإسرائيلي لقبول الثكل وخسارة أرواح الجنود، وفقدان الثقة بالزعامات السياسية، وبانتقادات وسائل الإعلام التي تنتقد، بصدق أو عدم صدق، قادة الجيش من مختلف الرتب. يؤدي هذا بصورة غير مباشرة خلال فترات القتال وبعدها إلى اضطرار القادة في أوقات كثيرة إلى مواجهات مع العائلات الثكلى التي تتهمهم بالمسؤولية عن خسارة أحبائهم.

إن الحاجة إلى إعادة الأسرى والجثامين والمفقودين إلى الوطن بأي ثمن ولَد لدى أعدائنا حافزاً بعيد المدى لخطف وقتل جنود ومدنيين وإجراء مفاوضات تستهدف الوعي، مهينة ومنهكة على جثامين وأسرى، وهي تجذب العدو إلى الضغط علينا تحديداً في المكان الذي يؤلمنا. منذ خطف غلعاد شاليط وإطلاق سراح أكثر من 1000 أسير مقابل ذلك، حولت "حماس" وحزب الله خطف الإسرائيليين، جنوداً ومدنيين، إلى هدف أعلى للقتال. وأي عملية خطف حتى لجثة، تتحول بمساعدتنا إلى عملية انتصار على الوعي بالنسبة إليهما.

لكن الأضرار الناجمة عن الحساسية المبالغ فيها وغير المبررة إزاء المصابين والأسرى والمفقودين لا تقتصر على ذلك. إن الضرر الإستراتيجي يتمثل في الضعف الذي تبثّه هذه الحساسية لشعوب المنطقة؛ إن مظهر الضعف يضر بردع دولة إسرائيل، ويمنح أملاً إستراتيجياً لأعدائنا، على المدى البعيد، بإزالة إسرائيل ككيان مستقل عن خريطة الشرق الأوسط.

كل مجموعات المقاومة ضد إسرائيل نتقلت إلى خوض حرب استنزاف إستراتيجي ضد الكيان العبري تجمع بين القتال التقليدي والحرب على الوعي. وعلى هذا، فكل جولة مواجهة أو حرب نتائجها ليست قاطعة لمصلحة إسرائيل هي في نظرهم مسمار إضافي في نعش "الكيان الصهيوني"، كما كتب المحلل العسكري "رون بن يشاي".


تم غلق التعليقات على هذا الخبر