نصيحة من قلب الساحات والميادين: لا لتصدَر الإسلاميين الثورات

2019-5-29 | خالد حسن نصيحة من قلب الساحات والميادين: لا لتصدَر الإسلاميين الثورات

الثورات لا تكرر نقسها، وإن كانت ظروفها تتشابه، ولا مقدرة لصناعها وروادها أن يستنسخوها، لكل ثورة شخصيتها ومسارها وعقلها.

في ثورتي السودان والجزائرية الأخيرتين، ثمة بعض أوجه تقارب أو تشابه، ربما تبدو أهمها أو أكثرها تأثيرا في انطباع المراقبين، هو الحضور الضعيف للإسلاميين في انطلاقتها وتدفقها، نعم التحقوا بها ولكنهم لم يتصدروها ولا أثر، تقريبا، لبصمتهم في تحديد وجهتها.

في السودان، كانوا أكثر التصاقا بالنظام، بل الحركة الإسلامية استلمت الحكم في انقلاب 1989، ثم تحول الحكم، شيئا فشيئا، ليصبح في قبضة الرئيس (ومجموعته من العسكر) دون غيره. في الجزائر، كانت العلاقة ملتبسة، ثم لم يكونوا على موقف ومسافة واحدة من النظام، فبعضهم تحالف معها وزكى خياراتها، ليتراجع لاحقا، بعض الشيء، وآخرون عارضوها في صمت، مع استثناءات.

لكن في كلتا الثورتين، كان حضور الإسلاميين ضعيفا، في السودان أضعف منه في الجزائر، ذلك أن الثورة الشعبية في السودان، رأى فيها كثيرا إطاحة بحكم البشير ومعه حليفته: الحركة الإسلامية، وبعضهم ربما اشتطَ، واعتبرها ثورة على الإسلاميين، لكن أيا ما كان، فقد كان قرب الإسلاميين من النظام خطيئة سياسية وسقوطا أخلاقيا لا يكفرهما إلا التلاحم مع الثورة والاصطفاف مع ثورة الشعب، ومحاولة كسب القوى الثورية. في الجزائر، كان الحضور من الجمعة الثورية الأولى باهتا لا أثر له تقريبا، ربما سيطر التوجس، لكن مع مرور الوقت اتسعت دائرة تأثيرهم، حتى وصلت إلى محاولة بعضهم توجيه الحراك الشعبي في مسار معين والتأثير في خياراتها.

مشكلة الإسلاميين مع الثورات، بعد الالتحاق بها، هي نزعة الهيمنة (وليسوا وحدهم في هذا النهج) والسيطرة، في السودان، هذا بعيد الآن، لأن ثمة تمنعا وتحفظا من مشاركتهم (وهنا تذكر تعرض حادثة طرد القيادي الإسلامي في حزب المؤتمر الشعبي، إبراهيم السنوسي، من قبل المصلين الغاضبين في شهر أبريل عقب صلاة الجمعة في مسجد الخرطوم الكبير) ردا على تحالفهم مع نظام البشير وانتقاما من سنوات حكمهم، ولو لم يكن لهم ذلك التأثير المُتخيل، وإن كان بعض الناقدين يرى أن الإسلاميين الحاكمين "اكتفوا بالإشارة إلى أعدائهم ليتولى جهاز الأمن ببقية المهمة".

في الجزائر، لم يرحب الحراك الثوري بزعماء الأحزاب الإسلامية المعترف بها، وإن شارك أفرادها والتحموا مع الشارع الثائر، ولكن يبقى التأثير الأبرز للإسلاميين من خارج الأحزاب، وهم الأكثر حضورا ومشاركة وزخما، لكنه أخذ منعطفا إشكاليا في الجمع الأخيرة، وخاصة ممن ظلوا أوفياء لعصر التنظيمات، وظهر منهم ميول نحو التحكم في الحراك الشعبي، وبعضهم أغرق الساحة الثورية بشعارات براقة: "الباديسية" (نسبة لرائد الإصلاح الشيخ عبد الحميد بن باديس) و"النوفمبرية" (في إشارة إلى ثورة التحرير التي انطلقت في 01 نوفمبر 1954)، وهذا إرث تاريخي لا يُحتكر، لا يتجاوزه أكثر الشعب والشارع ولا يتنكر له (إلا قلة قليلة)، لكن أن يتحول إلى راية تُميز مجموعات بعينها عن بقية الشارع والتيار العام في الحراك الثوري، فتُوالي وتخاصم عليها، حتى إن بعضهم قسَم الشعب إلى قسمين: شعب "أصيل" وشعب "الدولة العميقة"، فهذا منطق استقطابي بغيض يُفضي إلى إحداث تصدعات داخل الحراك، ويحمل بذور وجينات الهيمنة ونزعة السيطرة والوصاية التي انطبع بها الإسلاميون...وبعض المجموعات التي رفعت لواء "الباديسية"، ابتداء، في الحراك وتحمست له، تروج اليوم وتنتصر لفكرة "ساحة بديلة" عن الساحة للرئيسية للتظاهر (وشعارات "مهيكلة" أُعدت مسبقا ينغلقون عليها)، وهذا إما لضيق أفقهم وقلة وعيهم وإما لغلبة نزعة السيطرة والهيمنة، وكلاهما أسوأ من الآخر.

وحتى لا يغرق بعض الواهمين في غيَهم..الشارع الواعي اليقظ غير "المُهيكل" ولا المؤدلج ولا المنقاد هو من يحدد البوصلة يرسم خريطة طريق الحراك الثوري، وهو من يهتف ضد مناورات ومراوغات السلطة الفعلية (قيادة الأركان).. ولا يزال الشارع صاحب قراره عصي على الكسر والإخضاع، والهتافات نفسها تتردد في وقت واحد في أكثر من مكان بل في أكثر من ولاية، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا...

ما لم يستوعبه بعض المتربصين أو المضللين أو المناورين أو المعتوهين، أن ما ينطق به الشعب نابع من قرار هو سيَد أمره لا يُملى عليه..ولا أسهل اليوم من معرفة ما يريده هذا الشعب وحقيقة هتافاته، فليصغ إليه جيدا، فمنطقه واضح وقضيته المركزية واحدة لم تتغير منذ 22 فبراير.

والأصل أن تكون الثورة فوق العصبيات والانتماءات الضيقة، وليست ساحة للخصومات الفكرية والسياسية، والتقسيم يتسلل من محاولات الاختطاف من داخل الحراك، فكل يريد أن يحمله أعباء تطرفه (القومي أو الإسلامي أو العلماني) وينقل إليه عدوى أمراضه، والثورة أكبر وأوعى وأنضج من جميع هؤلاء...وأكبر خدمة لقضيتها أن تخلع عباءة انتمائك الضيق ولا تتدثر بها داخل الساحات والميادين، فهذا يضر بتماسك الصف الثوري وقضيته الكبرى...وما أهلك الثورة المصرية إلا خصومات فكرية حمَلوها الثورة فدبَ الشقاق واتسع الخرق وتسلل منه المتربصون فضربوا طرفا بآخر حتى أضعفوا الجميع، ثم انقضوا على الثورة انقضاضا...وما أفسد الثورات من داخلها إلا "الأدلجة" والغرق في المعارك "الدونكيشوتية"..

وقد انتهى عهد التنظيمات السرية، وتجازها الزمن الثوري والوعي الشعبي المتدفق بمراحل..وعقل الجماعات ضيق ويجد صعوبة، استعلاء وانغلاقا، في الاندماج مع التيار العام...وبعض المجموعات لم تتخلص، بعدُ، من أمراض التنظيمات السرية وما زالت آثارها بادية عليها، في منطقها ولغتها وشعاراتها، وأبت أن تخرج من ضيق الجماعة، عقلا وتفكيرا، إلى سعة المجتمع والشارع، وتحاول نقل العدوى إلى الحراك الثوري الشعبي، لكن الوعي الشعبي أنضج وصوته أعلى وإرادته أقوى..

وحتى الآن، حافظت ثورتا السودان والجزائر على قدر من التماسك واليقظة، والعقل الثوري في كل منهما يسيطر عليه هاجس الثورة المصرية ودروسها القاسية، فتلميع العسكر كان إحدى الخطايا السياسية الكبرى لثورة يناير، وثورة المنتصف وعدم استكمالها أهدر فرصة تاريخية لثوار مصر، وحدة الاستقطاب السياسي والإيديولوجي أثرت في تماسك الثورة وأحدثت تصدعات استغلها المتربصون في الانقلاب على ثورة مصر...، لكن تبقى القوى الثورية في السودان أكثر تشنجا وانغلاقا في احتضان الإسلاميين، وهذا موقف يمكن تفهمه من دون شطط، فالإقصاء أهلك الثورات من قبل، ثم للإسلاميين حضور وتأثير لا يُستهان به ولا يُنكر، ثم ما تواجهه ثورة السودان يحتاج اصطفافا ثوريا عاما إلا من أبى. وفي الجزائر، هم جزء من النسيج الثوري، لكن صنيع بعضهم، الذي غلبا عليه نزعة الهيمنة والتوجيه، في الفترة الأخيرة أحدث بعض النفور المُبرر، وربما باعدوا المسافة بينهم وبين الشارع عموما.

ونصيحة مشفق من قلب الساحات والميادين: إذا تصدر الثورات الوعي الشعبي وعامة الجماهير، ساروا بها بنديَة وصمود، وهذا مكسب ثمين، لكن أن يتصدرها الإسلاميون، فيعني غلبة المراوغات والمكيافيليات والبرغماتيات التي لا حدَ لها..

وأكبر مكسب للثورة الجزائرية أن لم يتصدرها الإسلاميون (إسلاميو التنظيمات)، وعندما حاول بعضهم تصدر مواكبها وتوجيهها والتأثير في مسارها، أحدثوا تصدعا وبلبلة، وضاقت الجماهير بصنيعهم وتجاوزتهم بوعيها ويقظتها...فهم ناس من ناس وجزء من انتفاضة الشعب، لكن أن يقودوا، فلا يُؤتمنون على ثورة شعبية سلمية واعية.    


تم غلق التعليقات على هذا الخبر