"ستيفن والت": الضغط الأقصى لن يُسقط النظام في إيران ولن يقوي الأصوات المعتدلة في طهران

2019-5-26 |

* الأزمة النووية مع إيران:

كتب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، ستيفن والت، أحد أبرز نقاد السياسة الخارجية الأمريكية، أن الغرض الأساسي من الصفقة النووية الإيرانية كان هو إبقاء طهران على مسافة كافية بعيدا عن السلاح النووي الفعلي، وكسب الوقت لمعرفة ما إذا كان من الممكن تخفيف الخلافات الأخرى بين الولايات المتحدة معها. لقد كان هذا النهج لعنة على الصقور الإسرائيليين، وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، مثل الاتحاد ضد إيران النووية، ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، والمانحين الجمهوريين الأثرياء مثل شيلدون أدلسون، وبعض دول الخليج، مثل السعودية.

لسوء الحظ، تمكنت هذه المجموعات من إقناع رئيس أمريكي ساذج بأن الصفقة كانت "فظيعة"، ودفعته لاستبدالها بسياسة ما يسمى بـ"الضغط الأقصى". وليس من الواضح تمامًا ما الذي تأمل الإدارة في استفادته من هذا النهج، أو كيف سيكون تحسينًا عما أنجزه الرئيس السابق باراك أوباما. يحاول ترامب ومستشار الأمن القومي، جون بولتون، ووزير الخارجية، مايك بومبو، وما إلى ذلك، حشر إيران في خانة العقوبات، لإبقائها ضعيفة قدر الإمكان ومنعها من إقامة علاقات طبيعية مع الآخرين.

وما يقلق الكاتب، وفقا لما أورده، أن الضغط الأقصى لن يُسقط النظام، أو يقوي الأصوات المعتدلة في إيران، أو يحل أيَا من الاختلافات الأخرى بين واشنطن وطهران. بدلاً من ذلك، من الأرجح أن يشجع هذا إيران على استئناف التطوير النووي وإعادة تشغيل برنامج الأسلحة النووية، في نهاية المطاف، وهو ما لم تفعله حتى الآن. فكر في الأمر: لقد قتل كيم جونج أون من كوريا الشمالية أقاربه وخصومه ويدير دولة بوليسية وحشية، ويتعين عليه عقد لقاءات خاصة مع ترامب، الذي يقول إن الاثنين "وقعا في حب"، فلماذا يعامل كيم بهذه الطريقة؟ لأن كوريا الشمالية لديها ترسانة أسلحة نووية متنامية.

على النقيض من ذلك، إيران مجرد قوة نووية كامنة، يمكنها صنع قنبلة إذا أرادت ذلك ولكنها لم تفعل ذلك بعد. في الواقع، لا تزال تمتثل امتثالاً تاماً للاتفاقية النووية، وهي من الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. كيف ترد واشنطن على ضبط النفس الإيراني؟ بالعقوبات المتزايدة والهجمات الإلكترونية والتهديدات العسكرية والكشف عن الاقتراحات من كبار المسؤولين بأن هدف أمريكا الحقيقي هو تغيير النظام. وليس لدى واشنطن، حتى الآن، علاقات دبلوماسية مع طهران ولا قناة اتصال منتظمة معها.

إذا قررت إيران أن التعاون مع الولايات المتحدة (وغيرها) والتخلي عن سلاح نووي لم يؤت ثماره، فسنعود إلى الحرب. ولأن السياسيين والنقاد الأمريكيين تحدثوا عن الحرب الوقائية ضد إيران منذ عقود، فإن الفكرة كلها أصبحت، تدريجيا، طبيعية في الثقافة الأمريكية. في الأسبوع الماضي، على سبيل المثال، أشار عنوان في صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن ترامب "لم يكن مقتنعا بأن الوقت مناسب" للحرب مع إيران، كما لو كان التوقيت هو الشيء الوحيد المهم.

لا أقول إن الحرب مع إيران أمر لا مفر منه، لكن ما لم نعد التفكير بشكل أساسي في النهج الأمريكي تجاه الشرق الأوسط، فإن هذا يبقى احتمالًا حقيقيًا. وبما أن الحروب عديمة الفائدة في المنطقة، لم تنجح بشكل جيد بالنسبة للولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، آمل أن أكون مخطئًا.

* الانهيار التدريجي للتحالفات الأمريكية الآسيوية:

لأسباب واقعية وحساسة وقديمة، تود الولايات المتحدة الحفاظ على وجود أمني مهم في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. لماذا؟ لمنع الصين من أن تصبح هيمنة إقليمية في آسيا. إذا كانت الصين ستؤسس موقعًا في آسيا شبيه بموقع الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي، بحيث لن تعود الصين مضطرة للقلق كثيرًا بشأن المعارضة الإقليمية، فستكون حرة في إبراز قوتها الصاعدة في جميع أنحاء العالم، كما تفعل الولايات المتحدة الآن. وقد تشمل تلك الجهود شراكات أمنية كبيرة في أمريكا اللاتينية، وطمس مبدأ "مونرو" وإجبار الولايات المتحدة على تكريس المزيد من الاهتمام للمسائل القريبة من الوطن.

من الناحية النظرية، يجب أن يكون منع هذه النتيجة سهلًا إلى حد ما. كما تنبأت نظرية علاقات القوى (أو بتعبير أدق ميزان التهديدات)، تميل الدول ذات القوة والطموح المتزايدين إلى التهديد، مما يدفعها إلى توحيد قواها لردع أو احتواء قوة صاعدة. لذلك، ليس من المستغرب أن يثير صعود الصين مخاوف عدد من الدول الآسيوية وجعلها أكثر استعدادًا للحفاظ على علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة.

لكن إدارة ائتلاف موازنة في آسيا لن يكون سهلاً، وقد فشلت إدارة ترامب في عملها. وسيكون التحالف المناهض للصين غير عملي وهشًا، لأن 1) المسافات كبيرة، مما يدفع مختلف الدول الآسيوية إلى تجاهل بعض المشكلات، 2) لا تريد هذه الدول تعريض علاقاتها الاقتصادية مع الصين للخطر، و3) ثمة اختلافات بين بعضها بعضا.

ولسوء الحظ، وفقا للكاتب، فعل ترامب كل شيء خاطئ. غادر شراكة عبر المحيط الهادئ ، والتي من شأنها أن تعزز موقف أمريكا في آسيا. خوَف كوريا الجنوبية واليابان بشأن القضايا التجارية، في وقت انخرط في مغازلة خاطئة وفوضوبة وغير ناجحة مع كوريا الشمالية. وبدأ رئاسته بمكالمة هاتفية مثيرة للخلاف وغير ودية مع رئيس الوزراء الأسترالي، مالكولم تيرنبول، مما أدى إلى توتر العلاقات مع حليف قديم للولايات المتحدة.

لا أعتقد أن الصين مهتمة بالتوسع الإقليمي (باستثناء تلك الجزر الاصطناعية التي تبنيها في بحر الصين الجنوبي)، فما تريده هو إنشاء وضع مهيمن في جوارها. فمن يستطيع إلقاء اللوم عليها؟ ما هي هذه القوة العظمى العقلانية الني تريد أن تكون محاطة بمجموعة من الدول المتحالفة رسميًا مع الولايات المتحدة، في ترتيبات تسمح لهم بنشر وممارسة قوات بحرية وجوية قوية بالقرب من الأراضي الصينية؟

بالنسبة لبكين، فإن معالجة هذا الوضع يعني إخراج الولايات المتحدة من آسيا، ليس عن طريق خوض حرب، ولكن عن طريق إقناع القوى الآسيوية الأخرى بأن الولايات المتحدة ضعيفة جدا ومشتتة، ومتقلبة، وغير موثوقة، وغير قادرة على أن يُعتمد عليها.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر