ما يحدث اليوم في الجزائر أكبر من عقل السلطة والمعارضة، وهو من التحولات التاريخية الكبرى

2019-5-20 | خالد حسن ما يحدث اليوم في الجزائر أكبر من عقل السلطة والمعارضة، وهو من التحولات التاريخية الكبرى

يبدو أن الجزائر مُقبلة على تحولات سياسية واجتماعية كبيرة، ما صنعه الشعب في ثورته السلمية الضاغطة أبان عن وعي متقدم وقدرة غير مسبوقة على التأثير في موازين القوة، فما عاد كتلة مهملة هامشية، ولا هو بالعنيف الفوضوي إذا تحرك، وهي الصورة النمطية التي أُلصقت به على مدى سنوات، بل ما أظهره من ضبط نفس وصبر إيجابي في حراكه وسلمية مُبهرة في مواجهة القمع والحصار وأنواع وأشكال الاستفزازات، ينبئ عن تغييرات هائلة في نفسية وذهنية الشارع السياسي، والوعي هو أثمن ما يملكه وهو غنيمة العصر ...أظهر قدرا كبيرا من الانسجام بين مكوناته، متجاوزا كثيرا من التصدعات الإيديولوجية والنزعات المناطقية والترسبات التاريخية...يدير الحوار بين أطرافه، حلقات نقاش في كل ركن وزاوية، وإذا احتد وانفعل المتحاورون تتعالى الأصوات بهتاف "خاوة خاوة"، فتهدأ الأنفس...يندفع بعض الشباب ويفقد صوابه في مواجهة القمع الأمني، فيتدخل الجمع لمنع حدوث أي تصادم ويحذر من الانجرار وراء الاستفزاز...تخترق نسوة الصفوف ويقتربن من الحزام الأمني، وسط ذهول وتقدير المتظاهرين، فيُلحَون عليهن بالمغادرة حتى لا يُؤذين، فيأبين، لئلا تعتدي قوات الأمن على الجموع، ويصنعن بموقفهن البطولي هذا حاجزا بين الحزام الأمني وجمهور المتظاهرين، في صورة رائعة من صور التلاحم.

يبدو هذا الحراك حذرا متوجسا، رافضا لأي تلاعب أو مناورة، عازما على إحداث قطيعة مع النظام القديم، لا يثق بما يسمع، ولا تشغله الصوارف ولا تعنيه حسابات وصراعات الحكم، لا أحد بإمكانه أن يقنعه بغير إقامة سلطة مدنية منتخبة بعيدا عن أشكال الوصاية...ويسقط كل شرعية مُدَعاة، ولا ينساق وراء الصيحات، ولا يرضى بغير شرعية الشعب وسيادته، يثق في ثورته وغير هيَاب..لا السلطة الفعلية مُدركة لهذا التحول ولا حتى الطبقة السياسية، فما زالت تركت العهد القديم، نظاما و"معارضة"، تتعامل مع هذا الحدث العظيم كما لو أنه هبَة شعبية عابرة أو انتفاضة غضب بمطالب ضاغطة محدودة السقف والأثر..ما يحدث اليوم، في الجزائر، لم يُقدَر قدره، هو أكبر من عقل السلطة والمعارضة، هو من التحولات التاريخية الكبرى في حياة الشعوب والمجتمعات...

لقد صارت حكومة النظام القديم مستحيلة في الجزائر، وهذه حالة يسميها الدارسون "استحالة الحكومة"، وعلى هذا ليس أمام السلطة الفعلية إلا التفاوض مع قوى الحراك على رحيل العصابة وإقامة سلطة مدنية منتخبة...وإلا، فالإصرار على الفعل الاجتماعي السلمي الضاغط المثابر في شمول ما يلبث، مع مضي الوقت، أن يفرض تنازلات على دوائر القرار، حتى وإن كانوا مرغمين عليه..والحراك السلمي المنتج يستوجب حركة جامعة وشاملة كأوسع ما تكون، ويستوجب صبرا على الشدائد التي تواجهه، لأن الحكم المتهالك الفاسد لا يواجه أزماته إلا بالمزيد من التسلط وقلة الحيلة والقمع، كما إن هذا الفعل السلمي أو الحراك الشعبي المؤثر يقتضي طول النفس، وأن الصبر وطول النفس والتمسك بالسلمية الضاغطة رغم تحمل الصعاب كل ذلك يزيد من فاعلية واتساع الحراك.. .والمهم في ذلك هو تطوير أدوات التأثير والتصعيد والقدرة على التحريك والتعبئة، والنظر إلى العقبات بروح التذليل لما يقبل التذليل، والتفادي لما لا يجدي معه إلا التفادي، وكل ذلك مع تمسك صارم بالسلمية...

وتوصي التجارب وعبر التاريخ بأن الاستبداد أو التسلط لا يبقى قويا مدعوما إلا بقدر ما يكون الرافضون له من عموم الناس متفرقين، ويدرك الاستبداد أن أهم مصادر قوته وبقائه هو الشتات، وقد تجاوزنا هذا الشتات في الحالة الجزائرية.. ولا يظن صاحب عقل أن السلطة الفعلية ستمنح الحراك ما يقوى به على إقامة سلطنة منتخبة تنهي وصاية هذه السلطة المتحكمة، ولهذا كان الفعل السلمي المؤثر واستمرار زخم الضغط الشعبي هما الأساس في معركتنا الكبرى اليوم، حتى يُدفعون دفعا إلى التنازل.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر