آخر الأخبار

"معضلة" إدلب: الهجوم الشامل مستبعد الآن رعاية لتركيا وحاجة "الثلاثي الضامن" إلى بعضهم خارج سوريا أكبر

2019-5-14 | المحرر السياسي

الوضع الملتهب في الشمال السوري مُعقد ومتشابك، والمعارك تتواصل في محيط إدلب، وعين النظام على سهل الغاب وخان شيخون، وحسابات الأطراف المؤثرة في الصراع متضاربة، وتبيَن أن الوجود العسكري التركي المستمر في منطقة التصعيد كان هو العامل الوحيد الذي أعاق الهجوم العسكري واسع النطاق للنظام والروس والميلشيات الإيرانية على إدلب. وقد كثفت روسيا من غاراتها الجوية في وقت بدا فيه أن قوات الأسد تحاول الاندفاع والتقدم وتتعمد الاستفزاز، مثال ذلك قصف مركز مراقبة "جبل ششابو" في تركيا في سهل الغاب، ربما بعيدا عن التنسيق مع الروس، كما في بعض تحركاتها.

وتبدو موسكو أقل حماسا من الأسد للضغط على أردوغان والسيطرة العسكرية على إدلب، وإن كانت تريد تحقيق مكاسب ميدانية في إدلب بالقوة. وقد تعدَدت اللقاءات العسكرية الدورية بين الروس والأتراك، كما أشارت تقارير صحفية، منذ انطلاق المعارك الأخيرة في ريفي حماة واللاذقية. ولم يظهر أي أثر لنقاط المراقبة التركية منذ بدء الهجوم واشتعال المعارك وخطوط المواجهة، ويُذكر هنا أن احتجاج وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، لدى موسكو، لم يسفر عن نتيجة، على الأقل حتى الآن، فلا قوات النظام خففت من تصعيدها ولا الإسناد الجوي الروسي قلَ نشاطه الحربي.

لكن، ومع ذلك، وفقا لمراقبين، فإن تركيا تحظى بتقدير حلفاء نظام الأسد لأهميتها، وليسوا مستعدين للتضحية بالعلاقة معها أو استبعادها من التفاهمات في سوريا. وعداؤها للأكراد وحضورها الفعَال في اتفاق "أستانة" خدما نظام دمشق، ثم إن العلاقات الإستراتيجية خارج سوريا أكثر أهمية من التفاهمات داخل سوريا. وثمة مسألة أخرى مهمة، في هذا السياق، يشير إليها الصحفي التركي، متين غوركان، أنه على الرغم من الجهود التي يبذلها حلف شمال الأطلسي، يبدو أن تركيا تقترب أكثر من روسيا وإتمام صفقة نظام الدفاع الجوي S-400، وهو ما يوثق الارتباط بينهما أكثر بما لا يؤثر فيه بعض الاختلاف والتنافر حول الملف السوري.

وما يُقال عن الروس، يُقال أيضا عن علاقات تركيا مع إيران، وإن كانت ليست بالأهمية نفسها، فربما تُسهَل العقوبات الأمريكية على طهران التفاهم التركي الإيراني حول سوريا، وفقا لتقديرات المحلل الإيراني، حميد رضا عزيزي، الذي رأى أنه في مواجهة الضغوط الأمريكية على جبهات متعددة، من المرجح أن تعزز إيران وتركيا التعاون بينهما في قضايا مهمة، بما فيها سوريا. ورعاية مثل هذه العلاقة الوثيقة بين الأطراف المؤثرة في الصراع، الثلاثي الضامن: روسيا وتركيا وإيران، مُقدمة على أي عملية عسكرية كبيرة وشاملة في إدلب من قبل حلفاء الأسد، طهران وموسكو، قد تُحدث تصدعات في العلاقة بينهم، بما لا يخدم أيا منهم في الظرف الحاليَ. وبناء على هذا، يرجح مراقبون تأجيل الهجوم الشامل على إدلب وإمهال تركيا وقتا إضافيا أو فرصة أخرى، وإن كان هذا لا يعني توقف ضربات النظام والروس المتفرقة ومحاولة قضم مناطق.

وترى إيران في تركيا شريكا مهما في هذه الفترة من الضغط الأمريكي المتزايد. وعلى الرغم من أن إيران متمسكة بسيطرة نظام الأسد على جميع الأراضي السورية، فإنها تتجنب الضغط المباشر على أنقرة بشأن هذه المسألة. وهنا يرى مصطفى نجفي، محلل للسياسة الخارجية في طهران، أن قضيتي إدلب والعقوبات الأمريكية مترابطة، قائلا: "من المحتمل أن تدعم تركيا إيران في مواجهة العقوبات، على أن تخفف طهران من ضغوطها على تركيا بشأن قضية إدلب"، مضيفا: "ويمثل الوضع في المنطقة الواقعة شرق نهر الفرات قضية أخرى قد توثق العلاقات بين طهران وأنقرة".

لكن يبقى أنه من دون اتفاق بين موسكو وأنقرة، ربما يكون من الصعب جدا معالجة قضية إدلب. إذ تقاوم تركيا رغبة شركائها في "أستانا" في اللجوء إلى عملية عسكرية واسعة في إدلب، ويبقى شرق الفرات مع المنطقة العازلة على حدودها أهم لها من أي قضية أخرى في الشمال السوري، فما عادت ترى في بقاء إدلب تحت سيطرة فصائل الثورة قضية مهمة في حد ذاتها.

ومع ذلك، يبدو أن هناك عاملين يدفعان أنقرة للحفاظ على الوضع الراهن في منطقة التصعيد: أولا، هناك مخاوف من تدفق اللاجئين إلى تركيا إذا حاول النظام السيطرة على المنطقة بهجوم عسكري شامل بإسناد حربي من الروس. ثانيا، هناك إمكانية للتوصل إلى اتفاق بين دمشق وأنقرة حول شمال شرق سوريا، وهنا تبرز إدلب ورقة تفاوض بيد الأتراك. ومن المحتمل أن تظل هذه القضية دون حسم طالما تتمركز القوات الأمريكية في الجزء الشمالي الشرقي من سوريا. وبالتالي، فإن أي اتفاق محتمل بين موسكو وأنقرة قد يقرر مصير بعض أجزاء إدلب وليس عموم منطقة التصعيد.

التعليقات