آخر الأخبار

عين "العدالة والتنمية" على الأصوات الكردية: معركة أردوغان تُظهر أن إحكام السيطرة تمر عبر اسطنبول

2019-5-9 | خدمة العصر عين

كتبت شبكة "بلومبرغ"، الإخبارية الأمريكية، أنه بعد ساعات من قبول أعلى هيئة مراقبة للانتخابات في تركيا دعوة حزب العدالة والتنمية الحاكم بإعادة التصويت على منصب رئيس بلدية اسطنبول، ظهرت آثار الغموض السياسي الأكبر على الاقتصاد التركي، فقد ضعفت الليرة أكثر من غيرها في الأسواق الناشئة، وتعرضت الأسهم للاهتزاز، وبدأ النقاد يتساءلون عما إذا كان الشرق الأوسط قد فقد أكبر ديمقراطية فيه.

بالنسبة للرئيس أردوغان، فإن قبول الهزيمة بعد انتخابات اسطنبول التي مكنت المعارضة من السيطرة عليها، كان سيُجبره على مواجهة بوادر الضعف الناشئة بعد 16 عامًا من الحكم السياسي الذي لا يُقهر. وكان من الممكن أيضاً تجريد حزبه من مركز القوة التجارية في البلاد، والسماح لحزب سياسي معارض بإثبات قدرته على أداء الوظيفة التي بدأ بها أردوغان مسيرته السياسية.

وقال أنتوني سكينر، مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى محلل المخاطر "فيريسك مابلكروفت": "بوصفه قلب الاقتصاد التركي ومصدرًا رئيسيًا للمحسوبية، فإن أردوغان لا يستطيع تحمل خسارة اسطنبول"، مضيفا أنه يرى بصدق المدينة مقياسا لبقائه السياسي لفترة طويلة. وسوف يستخلص أردوغان الدروس من التصويت الأول.

العاصمة العثمانية لخمسة قرون تقريبا، تضم الآن خُمس سكان تركيا، وتعد إسطنبول بمثابة نقطة الصفر لأنموذج أردوغان الذي يتقن التزاوج بين السياسة والمال. ولا يزال ثقل المدينة يفوق باقي تركيا، حيث تمثل حوالي ثلث إجمالي الاقتصاد في البلاد، وحسب بعض التقديرات، يستوعب ربع إجمالي الاستثمارات العامة.

وحتى مع وجود ميزانية قدرها 4 مليارات دولار، فإن الأرقام لا تشرح سبب قيام أردوغان بإلغاء انتخابات اسطنبول. على النقيض من ذلك، فقد تخلى عن العاصمة أنقرة، دون الكثير من القتال بعد فوز المعارضة في الانتخابات الأخيرة، لكن كما قال أردوغان للمشرعين قبل عامين: "إذا خسرنا اسطنبول، فإننا نخسر تركيا".

وتستثمر حكومة أردوغان في مشاريع ضخمة لتوفير فرص عمل وإظهار ازدهار تركيا المتزايد منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة. وفي الوقت الذي تقلص فيه الاقتصاد التركي منذ الرقم القياسي البالغ 950 مليار دولار المسجّل في عام 2013، وهو الآن في حالة ركود عميق منذ عام 2009، فقد تضاعف دخل الفرد الحقيقي تقريبًا منذ أن تولى أردوغان منصبه في عام 2003 إلى ما يقدر بنحو 24.850 دولار في العام الماضي، وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي.

وحجم الاستثمار الحالي الذي تحتضنه اسطنبول حوالي 30 مليار دولار، وتتراوح المشاريع بين مطار جديد وجسر معلق ونفق للسكك الحديدية وأكبر مسجد في تركيا وقناة شحن مخططة لتخطي مضيق البوسفور. ورغم أن الأموال أتت من ميزانية الحكومة المركزية، إلا أنها استفادت في نهاية المطاف من التكتلات المرتبطة بشكل وثيق بأردوغان، وصنع ثروات لحلفائه يمكن استخدامها بعد ذلك لشراء وسائل الإعلام ودعم حملاته.

فمنذ 25 عامًا، احتفظ أردوغان والأحزاب التابعة له بإسطنبول. وبصفته رئيس البلدية، فقد ترك بصمته من خلال التركيز على القضايا التي أُهملت لفترة طويلة، وتقديم خدمات أفضل لجمع القمامة، وتوفير المياه النظيفة ونظام الدعم للأسر ذات الدخل المنخفض. ومن خلال توسيع البرامج الاجتماعية والهبات، أقام أردوغان رابطة وثيقة مع الفقراء. وبعد أن أنجح في أن يصبح رئيسًا للوزراء ثم رئيسًا، حرص أردوغان على إبقاء الصنابير المالية مفتوحة.

لكن الخط الفاصل بين السياسة والحكومة أصبح غير واضح بشكل متزايد. ومع استمرار تدفق الأموال، وجد سكان إسطنبول أن التصويت لحزب العدالة والتنمية يُحدث فرقا، ففي العام الماضي، نُقل عن رئيس بلدية إسطنبول السابق، ميفلوت أويسال، قوله: "إن أولويتنا في محطات المترو ستكون هي المناطق التي فاز فيها حزب العدالة والتنمية بأكبر عدد من الأصوات". وكثيراً ما اشتكت المعارضة من أن الحكومة المحلية قد أعطت الأولوية للاستثمارات في المناطق التي يقطنها معظم أنصار الحزب الحاكم. وتمتلك البلدية أيضًا 30 شركة في صناعات تتراوح من الطاقة إلى النقل، وتوفير فرص العمل وغيرها من الامتيازات لآلاف الأشخاص.

وفي مثال على إمكانية أن تقود السياسة الإنفاق المحلي، أدى برنامج غذائي بقيمة 50 مليون دولار لصالح الفقراء إلى التدقيق القانوني في اتهامات محكمة الحسابات التركية، أعلى مدقق حسابات في البلاد، بأن الشركات المؤهلة قد اختيرت بشكل غير قانوني، ظاهريًا لمصلحة الشركات الصديقة.

إلى جانب استمالة قاعدة الناخبين في حزب العدالة والتنمية، فإن السيطرة على اسطنبول تعني السيطرة على تقاسم الغنائم عن طريق اختيار المقاولين ومساعدة الجمعيات والمؤسسات التجارية القريبة من الحزب الحاكم. وبينما تقع مساعدة الطلاب وغيرهم من المحتاجين على عاتق الحكومة المحلية، إلا أن النقاد يقولون إن الإنفاق يشبه طريقة شراء الولاء السياسي بأموال دافعي الضرائب.

وفي المواجهة حول انتخابات اسطنبول، قال الرئيس أردوغان إنه على استعداد للتنازل عن الهزيمة، لكنه غيَر رأيه بعد رؤية ما أسماه دليلاً متزايداً على حدوث مخالفات واسعة النطاق تشوب الانتخابات. ومع ذلك، وفقا لتقديرات "بلومبرغ"، فإن حزب الشعب الجمهوري المعارض، الذي فاز مرشحه على حليف أردوغان في انتخابات 31 مارس لمنصب العمدة، لا يخفى أنه كان على وشك أن يستهدف قلب المشروع السياسي لحزب العدالة والتنمية.

وبعد يوم من قرار "الهيئة العليا للانتخابات" إلغاء انتخابات إسطنبول المحلية، تقدم حزب "الشعب الجمهوري" الفائز مرشحه، أكرم إمام أوغلو، برئاسة بلديتها، بطلبه إلى الهيئة لإلغاء انتخابات إسطنبول كاملا، إذ إن لجنة الانتخابات بررت قرارها بحجة أن بعض رؤساء اللجان الانتخابية لم يكونوا من موظفي الحكومة، وأن هذا أثر في نتائج انتخاب رئيس بلدية اسطنبول، لكنه لم يؤثر في انتخابات مجلس البلديات ولا البلديات الصغيرة، علما بأن كل هذا التصويت يجري في وقت واحد.، بمعنى، وفقا لتقديرات مراقبين، أن اللجنة ستلغي، فقط، الانتخابات التي خسر فيها أردوغان، وتثبت نتائج تلك التي فاز بها حزبه، علما أن جميعها جرى في اليوم نفسه واللجنة نفسها والصندوق نفسه، ثم هناك مراقبون من جميع الأحزاب في لجنة الانتخابات، وهو الأقوى تأثيرا في المراقبة، لم يُؤخذ برأيهم.

وعلى هذا، يرى نقاد أن قرار "الهيئة العليا للانتخابات" بإلغاء انتخابات اسطنبول المحلية ضربة موجعة لتجربة حكم العدالة والتنمية، وثمة حالة استنفار كبيرة داخل الحزب لضمان فوز مرشحه، فهزيمة ثانية مُضرَة بمستقبله السياسي

وفي السياق ذاته، أشارت تقديرات محللين إلى أن أصوات حزب "الشعوب الديموقراطي" الكردي تحظى بأهمية خاصة، إذ يسعى أردوغان لإبعاد أصوات الحزب الكردي عن حرشح الجزب الجمهوري، إمام أوغلو، في انتخابات الإعادة، وقد صنعت الفرق في الانتخابات الأولى ومكنته من الفوز، وهنا، تحدثت معلومات عن مباحثات سرية بين قيادات "الاتحاد الديمقراطي الكردستاني" السوري ومسؤولين أتراك بوساطة المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، ووصل هذا الأخير إلى تركيا، وقالت "قوات سوريا الديمقراطية" إنه يتوسط بينها وبين أنقرة، لتحدث مفاجأة لا يمكن فصلها عما هو مُتداول والحسابات الانتخابية للحزب الحاكم، والتي لها الثقل الأبرز في الوقت الحاليَ، إذ سمحت السلطات التركية، بعد 4 سنوات، للمحامين بزيارة زعيم الحزب، عبد الله أوجلان، القابع في السجن منذ 1999. ورأى مراقبون في قرار السلطات الرسمية محاولة استعطاف الأصوات الكردية، إذ قال أوجلان على لسان محامييه: "على الاتحاد الديمقراطي الكردستاني السوري أن يضع مصالح تركيا بالاعتبار خلال تحركاته شرقيّ الفرات، وعليه أن يستمر في حواره مع دمشق من أجل ضمان المكاسب الديمقراطية في المنطقة".

وكتب نقاد أن إبطال انتخابات بلدية اسطنبول الكبرى، التي أفرزت صناديقها عن فوز معارض سياسي، من "حزب الشعب الجمهوري"، قد يشير إلى أن حكم أردوغان يشعر بالتهديد، رغم افتخاره بأنه يستمد شرعيتها من الاقتراع العام. وسوف يعود سكان اسطنبول إلى صناديق الاقتراع يوم 23 يونيو في ظل استقطاب سياسي حادَ أنهك البلد وأثر في اقتصادها. وربما يبدو أن خسارة اسطنبول تعني الكثير.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر