آخر الأخبار

حراك الجزائر في مواجهة "الانتقال الموجَه" تحت وصاية قادة العسكر

2019-4-28 | خالد حسن حراك الجزائر في مواجهة

لعلَ الحراك الثوري الرائع في الجزائر تجنب، حتى الآن، بعض أهم أخطاء وعثرات ثورة يناير المصرية العظيمة، لكن أمامنا اختبار حقيقي كبير رسب فيه ثوار مصر الأحرار وكلفهم كثيرا: قضية التوحد.. بعضنا مسكون بإرث التسعينيات ويستحضر بعض المواقف الكارثية لسياسيين، وبعضنا غلبت عليه هواجس الصراعات الأيديولوجية والفكرية، فما تمكن من التحرر منها، ولو إلى حين، وبعضنا بالغ في تقدير الموقف تجاه قادة الجيش...وإنما يتسلل الضعف والإحباط والتفكك من الانقسام الداخلي...وبعضنا كأنما يحمل سجلا ضخما يُحصي على ناشطي وسياسيي الحراك أخطاءهم ويجرَدها بصوت عال..

وليس من السياسة والكياسة أن تعلق على كل شيء، وتتبع الزلات..إذا ضُربنا في توحدنا على القضية المركزية، كان هذا أكبر مكسب للمتربصين بثورتنا السلمية الضاغطة، وبداية التصدع الداخلي..

ليست قضيتنا، الآن، الموقف من قادة الجيش، ولا نأمن على حراكنا من أي طرف سلطوي، وإنما نتسلح بالوعي واليقظة، فالعصابة الحاكمة، طيلة عشرين سنة، خطفت كل المؤسسات وقربت الموالين وساومتهم وعيَنت على رأسها الطيع الخنوع، وأفسدت بهذا كل أجهزة الحكم ولم يسلم منها، تقريبا، ولا مؤسسة، بما فيه الجيش...

نعم، تتفاوت التقديرات وتتضارب المواقف، أحيانا، وهذا لا يُتصور خلافه، لكن لا يصحَ، يحال من الأحوال، أن تتقدم أي مسألة على القضية المركزية الكبرى: إسقاط العصابة وتمكين الشعب من انتخاب سلطة مدنية بعيدا عن الوصاية، من أي كان. وهنا، تجدر الإشارة إلى أوهام الانتقال الشكلي الدعائي، وهو ما يُسمَى بـ"الانتقال المُوجَه"، ظاهره انتقال بتغيير وجوه وأجنحة تحكم، لكنه محدود السقف والأثر، وجوهره تدوير للوجوه وإعادة تأهيل نظام الحكم، وهو الذي تحاول قيادة الأركان فرضه، حاليَا. وربما يهيمن على مثل هذا الانتقال المخادع تحالف سلطوي آخر لا يختلف كثيرا عن التحالفات المهيمنة التي سادت في العقدين الماضيين إلا في بعض الأشكال والمظاهر.

قضيتنا اليوم وغدا هي انتقال الحكم إلى سلطة مدنية منتخبة، بعيدا عن الوصاية والتوجيه وسيطرة بقايا العصابة وتحكم السلطة الفعلية، ومحاولة حسم أو إبراز مسائل أو قضايا أخرى الآن إنما هي تشويش وتشغيب على القضية الأم وإضعاف لها.

وما يخشاه مراقبون، في هذا السياق، أن تكون الملاحقات القضائية الأخيرة موجهة، أساسا، نحو إضعاف الأجنحة الأخرى التي تتنافس على السلطة اليوم وتتصارع حول من يحكم بعد بوتفليقة، والاستفراد بالحلبة السياسية عندما يتعلق الأمر باختيار من يحكم في الانتخابات القادمة التي ستكون (بالضرورة) تحت إشراف قيادة الأركان..

وقيادة أركان الجيش هي الطرف الأقوى اليوم واللاعب الأبرز في الساحة ومركز الثقل في السياسة، فأي فراغ دستوري هي من تتحمل مسؤوليته بغلبة التسويف والتماطل والمناورة على تعاملها مع مطالب الحراك وقضيته المركزية، وزادت في التعقيد بالتخويف من تهديدات خارجية غامضة وخصوم مجهولين...

وربما هو طريق واحد لا لبس فيه ولا التواء ولا اعوجاج، قد تتعدد صيغه وأشكاله وطرائقه، لكنه واحد في مآله ومنتهاه: تمكين الشعب من اختيار حاكمه وسلطته بعيدا عن كل أنواع الوصاية والتزييف والمراوغات، هو طريق المشير سوار الذهب الحاكم السوداني الجريء، الذي تنازل عن الحكم بكامل إرادته، سلم السلطة بلا تسويف ولا تماطل ولا تلاعب، ثم اختار بعدها العزلة وسكن إلى الظل...فالقضية في المبتدإ والمنتهى، في الحال والمآل، إرادة سياسية حقيقية قبل أي مسار شكلي آخر...وأصل القضية: تسليم السلطة إلى الشعب، من دون وصاية أو فرض خريطة ومسار أو تحكَم علني أو خفي..

ولهذا، فالقبول بأنصاف الحلول والمناورة السياسية في رفع وصاية السلطة الفعلية واستقلالية الإرادة والقرار، سقوط وانكسار. وبعضنا بحاجة إلى أن يفهم ما لا يحبَ: لن يتراجع الحراك أمام الوعود الزائفة والأوهام الفارغة، ولن يُخضعه أي ضغط أو تهديد، ولا يطيق حراكنا الثوري ثقافة القطيع والانقياد. ومن كان صاحب رغبة في عزل بقايا العصابة فليبادر إن كان قادرا، ولا يشغل حراكنا بحيلة طويلة، فصولها مُملَة، ولا خشية لحراكنا من اللحظة القادمة، لأنه يطمح إلى تغيير مسيرة ومسار البلد نحو توجه جديد.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر