عباسي مدني في ذمة الله: المثقف الثائر والسياسي المغالب

2019-4-25 | خالد حسن عباسي مدني في ذمة الله: المثقف الثائر والسياسي المغالب

رحم الله الدكتور عباسي مدني، رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة في الجزائر، كان يتمتع بمميزات الزعامة والثقافة، صاحب تأثير، كان سباقا للعمل السياسي طلبا للتغيير، وانتصر لفكرته بتأسيس جبهة الإنقاذ، وأثار قلقا كبيرا في المجتمع السياسي، بحق أو بغيره، ومهما قيل عن أخطائه السياسية، فقد كان رجلا إصلاحيا مهموما بقضايا أمته وبلده.

 كان الشيخ عباسي مدني يحتقر سجانيه، فهم ليسوا إلا حثالة الاستعمار الذي ثار ضده، عانى من المحتل في سنوات الاستعمار الفرنسي ومن ضباطه الأوفياء من مريديهم، الذين انقلبوا على خيار الشعب وحكموا الجزائر بالحديد والنار وارتكبوا المجازر وأحرقوا البلاد في التسعينيات انتقاما وثأرا لأسيادهم.

كان ثائرا لا يكاد يهدأ، صاحب قضية، لم يقتنع يوما أن الجزائر استكملت استقلالها، أهانه عساكر فرنسا قادة الانقلاب، سجنوه مع نائبه في جبهة الإنقاذ الشيخ علي بن حاج، وساوموه ولم يتزعزع، وظل صامدا شامخا لم ينكسر ولم يجبن ولم يخن قضيته.

كان مولعا بالجماهير، لا يرى السياسة من دونها، يرى نفسه زعيما ثائرا، كان عقل الإنقاذ وبن حاج خطيبها، لم ينقطع عن النشاط طيلة سنوات نضاله، غادر الجزائر إلى الدوحة، وقلبه يعتصر حسرة وألما، بعد فترة قصيرة من خروجه من السحن وقد قضى فيه سنوات (اعتقالا ثم إقامة جبرية مشددة) تنفيذا لحكم جائر أصدره قضاء الانقلاب.

لم يغب عن المحطات الكبرى لمسيرة وتاريخ الدعوة الإسلامية في الجزائر بعد الاستقلال، شارك في تأسيس جمعية القيم في العام 1963 حتى تجميدها، ثم كان له حضور وتأثير كبير في الأحداث الجامعية في بداية الثمانينيات إيذانا ببروز شعبي لافت علني وقوي للتيار الإسلامي.

شارك في أول تجمع للتيار الإسلامي في مسجد الجامعة المركزية سنة 1982، (الذي أسسه عملاق الفكر، الأستاذ مالك بن نبي) وقرأ رسالة المطالب الموجهة للرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، وسُجن في إثرها 5 سنوات مع مجموعة من مثقفي وناشطي التيار الإسلامي..

بعد إقرار التعددية السياسية، في العام 1989م، أسس مع الشيخ علي بن حاج الجبهة الإسلامية للإنقاذ، واستجاب لطلب صاحب الفكرة ابتداء، بن حاج، بتولَي رئاستها، وقاد الجماهير الشعبية المتعاطفة مع الإنقاذ، ويشهد له كثيرون بقدرته على التأثير في حركة الجماهير والسير بها في تحقيق مراده..

 استفاد من شعبية بن حاج الجارفة، كان عباسي يخاطب عاطفة الجماهير بعقله ورؤيته، وكان علي بن حاج يخاطبها بقلبه وحماسه، لم يكن عباسي يرى إلا نفسه والإنقاذ ورفع نفسه وعقله فوق الجميع، وأتعبت هذه النظرة الاستعلائية من حوله..حاول الانتصار بشخصه على الأحداث، فكانت المغالبة ولم يكن يقبل إلا بما يلبي طموحه، ومزاج التفرد السياسي أضعفَ موقفه وغلب عليه الزعيم في شخصيته.

اختار القطيعة أو مفاصلة النظام، فلم يكن يقبل ينصف مشاركة ولا ببعض حكم، فأكسبه هذا الموقف المحبب للجماهير تعاطفا، ناقدوه يحملونه أوزار ومآل الخطاب الصدامي وسياسة المغالبة، وإن كان يبدو لهم أكثر مرونة و"براغماتية" من نائبه علي بن حاج، ولم يكن يكترث كثيرا لمعترضيه، وبعضهم من داخل التيار الإسلامي نفسه، وخاصمه كثيرون لانغلاقه على رأيه وصرامة موقفه، وربما أذهلته كثرة الجماهير وأعجبه تدفقها، فملأت عليه عقله وربما أسكرته وحجبت عنه رؤية الوضع خارج هذا المشهد الساحر.

لم يتلبَس يتاريخ مشين ولم يجبن أو يخن قضيته وبلده وأمته، ومواهبه وقدراته في التأثير الجماهيري لا تخفى، أكسبته اعتدادا بالرأي وإعجابا به، كان مثقفا ثائرا وسياسيا صارما، وكان له أثر في قومه وشذ عن السرب بتجربة سياسية مثيرة غير مسبوقة، رحمة الله عليه.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر