عسكر السودان في حيرة: لا يستطيع إدارة النظام من دون البشير ويواجه معضلة التفاوض مع الثورة

2019-4-24 | خدمة العصر عسكر السودان في حيرة: لا يستطيع إدارة النظام من دون البشير ويواجه معضلة التفاوض مع الثورة

كتب "أليكس دي وال"، الباحث في الشؤون الأفريقية في مقال نشرته دورية "فورين أفيرز" أنه في 11 أبريل، توجت الاحتجاجات الشعبية غير العنيفة التي استمرت 16 أسبوعًا في شوارع الخرطوم وغيرها من المدن السودانية الكبرى بعملية استيلاء عسكرية. وكان المتظاهرون قد دعوا إلى وضع حد للتقشف الاقتصادي وحكم الرئيس عمر البشير لمدة 30 عامًا. واضطر العساكر إلى الاختيار بين إطلاق النار على الحشود الكبيرة، وكثير منهم أبناء وبنات الطبقة الوسطى في البلاد وحتى بعض ضباط الجيش، وعصيان الأوامر، فاختار الجنود العصيان والتمرد. ليُعلن نائب الرئيس ووزير الدفاع، الفريق عبد الرحمن بن عوف، إقالة البشير من السلطة.

ومع ذلك، لم يكن هذا كافياً للفوز على تحالف المعارضة من أجل الحرية والتغيير. وكان ابن عوف وريثًا مواليا للبشير ولم يشر إلى تلبية مطالب المتظاهرين. وبدلاً من ذلك، يبدو أن عصابة من رجال أمن البشير سيطروا على الحكم.

ووجد صناع الانقلاب، سريعا، أنفسهم أمام مشكلة، فهم لا يستطيعون إدارة النظام السابق من دون البشير. فالرئيس المخلوع هو الوحيد الذي عرف كيف تعمل آلة المحسوبية السياسية في تحقيق التوازن بين مختلف الفاعلين.

وزاد قادة الجيش الوضع سوءًا عندما حلَوا حزب المؤتمر الوطني الحاكم ووضع عديد من القادة الإسلاميين المخضرمين تحت الإقامة الجبرية. وأدى هذا القرار إلى إفراغ الحكم من المجربين السياسيين وعطل عمل شبكة من زعماء الأحزاب، وزعماء القبائل، وضباط الجيش، وقادة الميليشيات، ورجال الأعمال، الذين كانوا يديرون البلاد. وكان الجنرالات يعرفون أنهم بحاجة لدعم قادة الميليشيات والأجهزة المتعددة للنظام السابق، ولكنهم لم يستطيعوا المقايضة معهم والتفاوض في الوقت نفسه مع المعارضة.

وفي مواجهة هذه الظروف المستحيلة، استقال ابن عوف في اليوم التالي، واستُبدل بالفريق عبد الفتاح البرهان، الذي أدى اليمين الدستورية رئيسا للمجلس العسكري الانتقالي. ويبدو أن مؤهله الوحيد لتولي المنصب أنه غير معروف خارج الدوائر العسكرية ولا سمعة له في الفساد أو القسوة. ويظل وجهاً يمكنه التحدث إلى المعارضة رغم عدم قبوله.

الحكومة الانتقالية تدير المفاوضات على مسارين متوازيين: الأول، مع أجهزة أمن الدولة والجماعات شبه العسكرية حول الاتفاقية الأمنية. فعلى عكس مصر، لا يستطيع الجيش السوداني السيطرة على البلاد بمفرده. ففي العاصمة الخرطوم، يعد جهاز المخابرات والأمن الوطني قوة عسكرية هائلة مستقلة عن الجيش، وكان مديرها العام صلاح عبد الله "غوش" يدا باطشة في عهد البشير. وهناك أيضًا مجموعات شبه العسكرية في السودان، وأقولها قوة الدعم السريع التي يقودها الجنرال محمد حمدان المعروف باسم "حميدتي". وعندما انهارت الصفقة الداخلية في 11 أبريل، قفز غوش وهميتي بطرق مختلفة، فبينما استقال غوش تولَى "حميدتي" منصب نائب قائد المجلس العسكري الجديد.

أما المسار التفاوضي الثاني، فهو مع المعارضة. والتوصل لصفقة معها لن يكون سهلاً، فتحالف الحرية والتغيير يضم عدداً من الجماعات السودانية المعارضة، ومنها تجمع المهنيين السودانيين وتحالف الأحزاب السياسية ومنبر المغردين السودانيين ومبادرة "لا لاضطهاد المرأة". وقامت مجموعة أساسية من السياسيين المخضرمين بصياغة "إعلان الحرية والتغيير" الصادر عن الائتلاف في يناير، ويرأسون فريق التفاوض، واتخذوا موقفا متشددا بعد استشعروا فوضى الجيش.

قدم المجلس العسكري بعض التنازلات الكبرى، بما في ذلك سجن البشير في سجن كوبر المركزي، وهي خطوة ذات رمزية كبيرة، حيث اعتقل البشير نفسه قادة الحكومة الديمقراطية قبل 30 عامًا، ووعد بتفكيك جهاز المخابرات والأمن الوطني. ولكن أمامهم طريق صعب، فيوم الأحد الماضي، علقت المعارضة محادثاتها مع الجنرالات، قائلة إن المتشددين داخل المجلس يعيقون التقدم. وقد حققت المعارضة المدنية في أربعة أشهر ما فشلت في تحقيقه عقود من التمرد المسلح.

ويرى الباحث أن الانتفاضة الشعبية في السودان والاستيلاء العسكري كانا مدفوعين بعوامل محلية، لكن من غير المرجح أن يحل السودانيون الوضع بأنفسهم. ففي الماضي، مع هذه الأنواع من المشاكل المعقدة، مثل الحرب الأهلية الطويلة في الجنوب، اعتمد السودانيون على وسطاء خارجيين لإيجاد حل. لكن هذا الشهر، اقترنت الأزمة في الخرطوم بالفوضى السائدة في المنطقة وعدم التحرك على المستوى الدولي. وكانت مصر أول دولة تدعم الانقلاب مؤكدة دعمها "لإرادة الشعب"، وذلك بعد ساعات من إعلان بن عوف عن الإطاحة بالبشير. فالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يرى في سيطرة الجيش على الحكم نسخة طبق الأصل عن انقلابه عام 2013، وكان مطمئناً أن ابن عوف الذي تلقى تدريبه في الأكاديمية العسكرية المصرية كالسيسي سيتبنى موقفاً مؤيداً لمصر ويضع الإخوان المسلمين تحت الرقابة. ويساور السيسي القلق أيضًا من دعم السودانيين الفصائل الإسلامية في ليبيا وإبرام صفقة تسمح لتركيا ببناء قاعدة بحرية في ميناء سواكن على البحر الأحمر.

وفي الوقت نفسه، انتظرت السعودية حتى 13 أبريل لدعمها الصريح للمجلس العسكري الانتقالي ووعدت بتقديم المساعدات الطبية والغذاء والوقود. وما يريده السعوديون في السودان مهم. فقد كان البرهان قائداً للقوات السودانية في اليمن. ويقود نائبه حميدتي قوات من 7.000 مقاتل تدفع رواتبهم السعودية. ووعدت الإمارات بتقديم الدعم بعد تحرك الجيش. وكان "قوش" رجلها المفضل، إلا أنها لم تتردد في دعمه رغم رحيله. فمن المهم للسعودية والإمارات أن لا يقع السودان تحت سيطرة الإخوان المسلمين وأن يظل عضواً في التحالف السعودي ضد إيران.

وأمام كل هذا، يقف السودان، الآن، بين آمال الديمقراطية ومخاوف من انفجار العنف. لقد أظهر الشعب السوداني صبراً وشجاعة مدهشين، وأظهر أن المظاهرات الجماهيرية يمكن أن تسقط النظام الاستبدادي الأكثر رسوخاً. لا يمكن للتدخل الأجنبي أن يمنح الديمقراطية والسلام للسودان، فالسودانيون وحدهم يستطيعون القيام بهذا العمل، لكن العمل المنسق لتشجيع الديمقراطية ومنع تدفق المزيد من الأسلحة إلى أيدي الفصائل المتنافسة يمكن أن يقلل على الأقل من خطر انتقال التحول إلى الفوضى.

** رابط المقال الأصلي: https://www.foreignaffairs.com/articles/sudan/2019-04-23/whats-next-sudans-revolution

 

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر