آخر الأخبار

تطرَف القومية السنهالية البوذية: لماذا تظل العلاقات العرقية والدينية في سري لانكا سامَة جدا بعد عقد من الحرب؟

2019-4-22 | خدمة العصر تطرَف القومية السنهالية البوذية: لماذا تظل العلاقات العرقية والدينية في سري لانكا سامَة جدا بعد عقد من الحرب؟

بعد حرب أهلية استمرت نحو ثلاثة عقود، تحمل فيها أهلها عبء العنف لفترة طويلة، تمتعت سريلانكا بعقد من الهدوء النسبي، ولكن ذلك تحطم يوم الأحد (21 أبريل) عندما تسبب هجوم منسق بالقنابل في مقتل أكثر من 200 شخصا. حصلت البلاد على الاستقلال من الحكم البريطاني في عام 1948، وأصبحت جمهورية سري لانكا في عام 1972، لكن كثيرا من تاريخها شابته التوترات الطائفية. ووقعت، مؤخرا، في منافسات إقليمية محمومة بين الصين والهند. ويعيش حوالي 22 مليون شخص في سري لانكا، في مجتمعات غالبا ما تكون متنوعة ومختلطة، وأكثر من 70 في المائة من السكان بوذيون.

وتشمل الجماعات العرقية والدينية الأصغر: الهندوس، الذين يزيد عددهم عن 12 في المائة، والمسلمون ويشكلون أقل من 10 في المائة، والكاثوليك بنسبة 6 في المائة. وتبحث سريلانكا، اليوم، عن إجابات بعد أن قتلت تفجيرات عيد الفصح المئات. وعلى الرغم من أغلبيتهم الواضحة، فإن القوميين البوذيين السنهاليين أذكوا في الآونة الأخيرة مخاوف من أن مجموعات الأقليات، وخاصة المسلمين، تتزايد أعدادهم وتأثيرهم.

وقد أدى تاريخ طويل من الحرمان بين مجموعات التاميل، وهم من الهندوس إلى حد كبير، على أيدي البوذيين السنهاليين إلى حرب أهلية في الثمانينيات. وشنت جماعة نمور التاميل، وهي جماعة متمردة مسلحة عرفت نفسها بأنها علمانية، هجمات مميتة، بما في ذلك بعض الاستخدامات الأولى للتفجيرات الانتحارية أسلوبا للتمرد. ورداً على ذلك، نفذ الجيش السريلانكي حملات وحشية تركز إلى حد كبير على معقل التاميل في الشمال الشرقي.

وانتهت الحرب الأهلية في عام 2009 بعد عملية واسعة النطاق قام بها الجيش، هُزم فيها مسلحو "نمور التاميل" وقُتل قائدها. ولا تزال مظالم عديدة العديد، التي أشعلت في السابق الحرب الأهلية، دون معالجة. كما لا تزال عائلات التاميل تبحث عن آلاف الأشخاص الذين اختفوا في خلال الحرب، ويحاولون استعادة الأراضي التي لا يزال الجيش يسيطر عليها. وتحاول الخدمات الصحية معالجة الصدمة الهائلة التي خلفتها عقود من العنف.

ومع ظهور القومية البوذية السنهالية (أكبر مجموعة عرقية في سري لانكا)، استمر تنامي الانقسامات الطائفية، وشهدت البلاد موجات جديدة من العنف. ويُعزى ارتفاع التعصب جزئياً إلى انتصار بعض الساسة السنهاليين بعد الحرب. وفي العام الماضي، أعلن المسؤولون حالة الطوارئ في مقاطعة "كاندي" بوسط البلاد بعد أن هاجم الغوغاء البوذيون الأعمال التجارية والمنازل التابعة للمسلمين.

وأسفرت محاولة الإطاحة برئيس الوزراء العام الماضي عن أزمة دستورية مطولة هددت باجتياح العنف. ولفترة وجيزة، كان للبلد رئيسا وزراء في الوقت نفسه.

وقد صبَت القوة السياسية القومية تابوذية غضبها ضد الأقليات المسيحية والمسلمين، واصفة إياهم بأنهم بقايا حقبة استعمارية بريطانية عندما تم قمع الغالبية البوذية نفسها. وفي هذا، قال "جالاجودا أثيث جناناسارا ثيرو، وهو راهب بوذي متشدد في سريلانكا، في مقابلة له، وفقا لما نقلاه صحيفة "نيويورك تايمز"، قبل أن يسجن بتهمة ازدراء المحكمة العام الماضي: "نرى كيف تأتي هذه الجماعات المسيحية المتطرفة من الغرب إلى هنا وتحاول تحويل البوذيين....ولا يمكننا السماح بحدوث ذلك بعد الآن".

منذ أسبوع، في يوم الأحد المُصادف لبداية الأسبوع المقدس المسيحي الذي يتوج بعيد الفصح، تجمع حشد من الغالبية البوذية السنهالية في سريلانكا في مبنى ميثودي في مدينة أنورادابورا، وقُصف المبنى بالحجارة والمفرقعات النارية. وفي العام الماضي، قامت حشود من السنهاليين، مدفوعة بخطاب حاقد من الرهبان البوذيين المتطرفين، بشن هجمات مميتة على المسلمين بالقرب من مدينة كاندي، وهي الأحدث في سلسلة من أعمال الشغب المعادية للمسلمين في سريلانكا.

ولمناقشة الفظائع التي وقعت يوم الأحد والوضع في سريلانكا، تحدثت مجلة "نيو يوركر" عبر الهاتف إلى أمارناث أماراسينغام، الباحث في معهد الحوار الإستراتيجي الذي يدرس التطرف في سري لانكا والمنطقة. رأى أن الشيء المثير للاهتمام في المجتمع المسيحي هو أنه يمتد عبر خطوط عرقية. هناك الكاثوليك السنهاليين، وهناك الكاثوليك التاميل، لذلك تُركوا خارج النزاع إلى حد كبير. لم يُنظر إليهم أبدًا على أنهم مصدر ريبة مثلما كان الأمر مع التاميل أو المسلمين. ولكن لم يُنظر إلى الجالية المسيحية أبدًا بهذا المنظور.

وقال الباحث إنه لم يكن هناك صراع حقيقي بين المسلمين والمسيحيين في كولومبو [عاصمة سريلانكا]، ولكن لماذا تظل العلاقات العرقية والدينية في هذا البلد سامَة جدا بعد عقد من الحرب؟ أوضح أن جزءًا من ذلك يتعلق بطبيعة القومية السنهالية، التي لا تزال موضع نقاش داخل المجتمعات السنهالية المحافظة وكذلك المجموعات القومية البوذية السنهالية المتشددة التي تعمل داخل البلاد. منذ الاستقلال عن البريطانيين [في عام 1948]، نوقشت تركيبة "سري لانكا" باعتبارها نوعا من دولة أحادية العرق داخل حدودها.. منذ البداية، في عام 1956، كان لديك ما يسمى "قانون السنهالية"، الذي ينص على أن السنهالية هي اللغة الوحيدة في البلاد، وكذا أنواع مختلفة من الدساتير، والتي لم تجعل السنهالية اللغة الوحيدة، وفقط، ولكن أيضا اعتبرت أن البوذية الديانة الرسمية الوحيدة في البلاد. وهنا، رأى الباحث أنه غالبًا ما انتصرت المجموعات الأكثر تشددًا لفكرة مثيرة للجدل يُطلق عليها مجمع الأغلبية داخل الأقلية. هذه الفكرة هي أنها قد تكون الأغلبية في البلاد، لكنها في الواقع الأقلية في المنطقة الأوسع.

والفكرة التي يعتنقها المتشددون في المجتمع السنهالي البوذي أن هذا هو بلدهم، وقد منحهم بوذا نفسه هذه البلاد، وستأخذها منهم الأقليات، وهذا يشمل مجتمع التاميل والمجتمع المسلم. وهناك انعدام أمن مستمر في بعض أوساط الغالبية، وأحد دوافعه الادعاء أن ثمة أقليات لا تملك ولاء للبلاد وتريده منقسما إلى مناطق حكم ذاتي، وهذا الشعور مستمر حتى الآن.

على مدى العقود الماضية، من وقت النزاع على الأقل، أو أوائل التسعينيات، وفقا لتقديرات الباحث، كان أفراد الجالية المسلمة ضحايا لمختلف الصراعات العرقية والدينية. وبعد الحرب، كانت هناك مجموعات بوذية سنهالية تحث على حرق تجارة المسلمين، وتحث على شن هجمات على المساجد، وأشياء من هذا القبيل. وكانت هناك حملة لتدمير المساجد القديمة. وبمرور الوقت، كان المسلمون دائمًا ضحايا إما للسلطوية البوذية السنهالية أو مجتمع التاميل. ونادراً ما رأينا ردودا من المجتمع المسلم.

ولكن، منذ أوائل التسعينيات، كانت هناك دائمًا شائعات بأن بعض أفراد المجتمع المسلم يميلون إلى التطرف، وأن حكومات دول الخليج، مثل السعودية، ترسل أموالًا إلى البلاد، وأشياء من هذا القبيل. تنتشر الشائعات دائمًا في المجتمع، لكن لا أحد يستطيع إثبات أي شيء، كما أورد الباحث. ولكن، منذ أوائل التسعينيات، كانت هناك دائمًا شائعات بأن بعض أفراد المجتمع الإسلامي يمياون نحو التطرف، وأن حكومات دول الخليج، مثل السعودية، ترسل أموالًا إلى البلاد، وأشياء من هذا القبيل. تنتشر الشائعات دائمًا في المجتمع، لكن لا أحد يستطيع إثبات أي شيء، كما أورد الباحث. ولكن يمكنك أن تشعر بمرور الوقت أن هناك بعض الأفراد أصبحوا أكثر محافظة، وليس بالضرورة أكثر تطرفا ولكن أكثر محافظة، لكننا ما شهدنا قط هجمات بهذا الحجم في فترة ما بعد الاستعمار.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر