آخر الأخبار

عن النفور السياسي والفكري داخل الحراك الثوري في الجزائر

2019-4-21 | خالد حسن عن النفور السياسي والفكري داخل الحراك الثوري في الجزائر

كلَ يريد الحراك الثوري (وربما ينطبق هذا على الثورة الرائعة في الجزائر أكثر من السودان) مُفصلا على مقاسه، يضيق صدره وينطلق لسانه بالتهم والتشكيك إن حصل ما لا يهواه، هذا لم يتحقق في أي ثورة تاريخية ولا أثر له إلا في الخيال، وليس شرط الثورة أن تتطابق فيها العقول والآراء، هذا لم يحصل (لا قديما ولا حديثا) وقد لا يقع، وليس ثمة ثورة بلون وطيف سياسي وفكري واحد، بل هي خليط غير متجانس لكن تجمعها القضية الكبرى والمصير الواحد..

وعلى هذا، فطرد الناشطين السياسيين من الحراك، حتى وإن اختلف بعضنا معهم في طرح أو موقف، تصرف بائس طائش، وليس للحراك منبر ليحتكره أحد، ولم يدَع أي من الناشطين (ممن اشتهروا أو ممن لم يبرزوا بعدُ، وهم كثر وربما منهم الأعقل والأنضج والأكثر استيعابا وإحاطة)، أنه يمثل الحراك أو يتكلم باسمه، فالاندفاع لإسقاط الناشطين المعارضين لا يخدم إلا المتربصين والنافخين في نيران التقسيم والتفكيك والتشويه وإفراغ الساحة. والتشكيك الفوضوي معول هدم وخنجر مسموم في حراكنا الضاغط.

فرصة تاريخية نادرة وفريدة أُتيحت للحراك الثوري السلمي في الجزائر لتجنب تكرار أخطاء الماضي، إذ لا يمكن الصمود أمام محاولات إجهاض الحراك الشعبي والضحك على عقولنا إلا بجبهة شعبية وطنية قوية واعية موحدة في مواجهة مناورات السلطة الفعلية والدولة العميقة والقوى الأجنبية المحاربة لنهضة الشعوب ويقظتها. وإثارة المعارك الجانبية والانتصار لطرف دون آخر في صراعات أجنحة الحكم والتصور الواهم الساذج للصراع وتقسيم الحراك وإرباكه وإغراقه في متاهات وهواجس يضر بقضيتنا، كل هذا يُضعف حراكنا الشعبي، ويسهل على المتربصين مهمة التكسير والتفكيك من داخل الحراك.

وحركات الرفض العفوية على مدار التاريخ، التي لم يكن خلفها حزب وتنظيم يتبنّاها، يصنعها الشعب ويتقدم بها، ثم تسرقها "جهة" ما، تخلع الحاكم السابق ثم تؤسس لها شرعية تستند فيها لرغبة "الشعب"، فالشعب دائما هو المستند، لتحكم الشعب باسم الشعب وتقمع الشعب باسم الشعب، أو تتخطفها "نخبة" ما، فتملأ فراغ الثورة بالمعنى الذي تريده وبالتصور الذي تتخيله، وتحاول السيطرة على عقلها وتفكيرها. فكلَ يريد أن تكون الثورة أو الحراك نسخة مما يتخيله أو مطية لمآربه. والحراك الثوري يُصدَق هذا أو ذاك أو يكذبه، فليس ثمة مسار واحد للثورات الشعبية، لكنها غالبا ما تُسرق، فهل سيكون حراكنا الشعبي الرائع (في السودان والجزائر) فريدا في تجربته أو استثناء تاريخيا مُلهما؟ هذا ما نرجوه.

والإصلاح والصواب لا يُحتكران، كما إنه ليس بمقدور المتصدر للرأي وصناعة الموقف والتأثير، مهما علا قدره، أن يوفق للصواب منفردا في كل حين وآن، خاصة مع تعقيدات الأوضاع وتداخل الأحداث وتسارعها، وما ينطبق على الفرد ينطبق على المجموعة الواحدة، التي ترى برأي واحد ويغلب عليها التماثل والتطابق، ثم إن هناك تداخلا بين الحوار، باعتباره قيمة وآلية، وبين الصواب، ويتجلى هذا في الشراكة في طلب الصواب والرأي السديد. ويمكن القول إن أكثر من تصدر للإصلاح وتحديات النهضة لم يلتفت إلى أهمية وحيوية "المفهوم الجماعي للصواب"، الذي كان حاضرا بقوة في الممارسة التراثية في أوساط العلماء والنظار.

والمحاورة ليست فعلا ينفرد به الإنسان، بل تحصل بالمشاركة البناءة المثمرة مع الغير، والصواب الذي نوفق إليه لا يتأتى، غالبا، بالنظر المجرد والتأمل الفردي، وإن كنا أحيانا نوفق إلى الصواب والرأي السديد دون اعتماد مجال التداول ومسلك المشاركة والمحاورة، لكن أثره محدود مقارنة بالصواب الجماعي، خاصة مع ما نعيشه في عالم اليوم من تداخلات وتناقضات وتعقيدات وتشعبات، إنه لا مناص من إحياء "طريقة أهل المناظرة" وإشاعة "المفهوم الجماعي للصواب"...

لعل واقع الحيرة والاضطراب الذي نشهده اليوم في أوساط الحراك الثوري الرائع في أكثر القضايا حضورا وتأثيرا، مردَه، في بعض جوانبه، إلى غياب الاشتراك مع "الغير" في طلب الحق والظفر بالصواب والعمل به. وهذا لا يعني بحال من الأحوال الدعوة إلى وحدة الرأي، فهذا مما يتعذر تحقيقه ولم نطالب به أصلا، وإنما أن تُتداول الآراء، على اختلافها وتعددها وتراكمها، وتخضع للمحاورة والنظر الجماعي. يعني في الأخير أن يكون الرأي نتاجا لشراكة في التداول والنظر، لا أن يصدر من جهد وعمل فردي مجرد ولا حتى من مجموعة بعينها، باعتبار أن هناك تداخلا، وليس تلازما، بين الصواب والمحاورة.. وبهذا يمكننا، على الأقل، أن نخفف من حدة التضاربات وفوضى الأفكار، وكذا مظاهر الحيرة والقلق والاضطراب..

ونجاحنا، جميعا، في الحراك الثوري السلمي، من مختلف المكونات والتوجهات، أن نجعل من التغيير الجذري الممكن الذي نريده مصلحة لعامة الناس المسحوقين وتوجها للشعب الناهض الثائر، وهذا يحتاج للرؤية الصادقة وإدراك المشكلة الأكبر... ومن مشكلة الأحزاب والتنظيمات الإصلاحية أن مطالبها جزئية وشكلية، ولم تخرج من أسر العقل السياسي التقليدي، ويتمسكون بمكسب صغير ويفرطون في ما هو أكبر منه، والحراك تجاوز هذا الضيق والقصور.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر