آخر الأخبار

الحراك الشعبي في الجزائر يُلهب الصراع بين أجنحة الحكم: قادة الجيش قد يختار تسليم الحكم إلى "خصوم بوتفليقة"

2019-4-18 | المحرر السياسي الحراك الشعبي في الجزائر يُلهب الصراع بين أجنحة الحكم: قادة الجيش قد يختار تسليم الحكم إلى

التوترات بين قائد الجيش الجزائري، أحمد قايد صالح، وشبكات دائرة الاستعلام والأمن السابقة (الأجهزة الاستخبارية السرية، التي حُلت في عام 2016) عادت فجأة إلى السطح، وبلغة التهديد والوعيد، ففي خطابه، الثلاثاء، من مقر المنطقة العسكرية الرابعة (الجنوب الشرقي)، أطلق رئيس الأركان تصعيدًا غير مسبوق ضد خصمه اللدود، الجنرال محمد مدين، المعروف أيضًا باسم "توفيق"، المدير السابق للمخابرات ورأس ما توصف بـ"الدولة العميقة"، واقترن هذا بما ظهر أنه إستراتيجية جديدة وعدائية إلى حد ما في التعامل مع المتظاهرين من قبل قوات محسوب على الأجهزة الأمنية. ومن الواضح أن حجم الاحتجاج أزعج مصالح أطراف عديدة (الدوائر المقربة من الرئيس المخلوع أو غيرها)، ورأت أنها ستخسر كثيرا إذا تحركت الجزائر نحو عملية انتقال الحكم إلى سلطة مدنية منتخبة، وقد تآمروا لإجهاضها، واستخدموا ألغاما كثيرا لتفجيرها من الداخل والخارج، وحملات التشويه والإسقاط، ولكن الحراك الثوري مستمر وصامد وعازم على عدم التراجع، وأدوات القمع والتضييق لم تؤثر في تصميمهم.

مؤسف جدا الحال البئيس الذي وصلت إليه مؤسسات الدولة، صراعات ومهاترات لا هيبة ولا مصداقية، خربوا المُخرب، وما تركوا شيئا يصلح، هشَموا الدولة وخطفوا مؤسساتها وتناحروا على مرأى ومسمع الجميع. إعادة بناء المؤسسات هي أهم تحدَ لأي سلطة شعبية منتخبة.

وليس الحراك الشعبي الضاغط طرفا في أي صراع مرير أو تصفية حسابات، فقضيته المركزية أن يصل إلى حكم منتخب هو سيد قراره لا تسيطر عليه أي سلطة فعلية ولا تنازعه أي شبكات عميقة مخربة، ويعيد بناء مؤسسات الحكم المفككة والمتعفنة.

وأما سياسيا، فالخيار الدستوري للأزمة لا أُفق له ويبدو أن من كان متحمسا له في أعلى هرم الحكم الآن (قيادة الأركان) ربما أدرك أن هذا الخيار وصل إلى طريق مُغلق، وقد يتخلى عنه، ولعل قيادة الجيش تختار انتقالا سلسا مع خصوم النظام السابقين من المغضوب عليهم وغير المرغوب فيهم (من العهد البوتفليقي).

وإذا كانت قيادة الجيش تملك إرادة سياسية حقيقية وجادة، فلتفاوض الحراك الثوري حول خريطة الطريق وصولا إلى انتخابات رئاسية مفتوحة وشفافة بإشراف بعيد عن بقايا سلطة العصابة، وأما تغيير الأسماء والواجهة مع التماطل والتسويف في تبني مطالب الشعب في تغيير جذري منظم، فهذا يعني أن قيادة العسكر غير مستعدة للذهاب بعيدا في دعم الحراك، والاكتفاء بمهمة رجل الإطفاء الذي يخمد الحرائق المشتعلة، وهذا أقل بكثير مما ينبغي لها فعله بما ينسجم مع مسؤوليتها التاريخية ضمن مهامها الدستورية. يبقى العسكر المصدر الرئيس للسلطة في الجزائر ومركز الثقل السياسي للحكم (وهذا منذ ما قبل الاستقلال)، وإذا تماطلت قيادة العسكر أو ترددت فهذا سيتيح الفرصة مجددا للقوى "غير الدستورية" والشبكات العميقة للتلاعب والمناورة وإعادة إنتاج نفسها، وحينها ستتحمل قيادة الجيش مسؤولية أي عبث قادم.

الصراع والتدافع حقائق لا عواطف، والتفكير بالتمني يحجب الرؤية الصحيحة. التناطح الحاليَ بين أجنحة الظاهرة والخفية حول من يحكم بعد بوتفليقة، وفرق بين حل الصراع وإدارته، وليس ثمة أي استعداد، من أي كان، بتسليم الحكم لسلطة مدنية منتخبة شعبيا، إلا لمن هو موثوق به لدى قيادة الجيش (وهي أقوى سلطة الآن) والسلطة لا تُسلم ولا تُمنح وإنما تُرغم بالضغط الشعبي الهائل على الزحزحة وتقديم تنازلات. بعض اتجاهات التحليل السائدة غارقة في التمني والتفكير بالعواطف. وبعضها يخوض صراعات كيانات بعضها حقيقي وبعضها مُتخيل، ومن تشعَبت به المعارك، الآن، تاه وغاص في بحر لُجيَ.

وتجزئة الصراع المصيري الكبير ضد الاستبداد والطغيان إلى صراعات جانبية وحروب محاور وتصفية حسابات لا يخدم قضية الحراك. أكبر سرطان فتاك أعاق نهوض البلد وأدخله في التيه وعقود من الضياع هو الاستبداد والطغيان، فلولاه لما تسلط السفلة وأراذل القوم ورؤوس الفساد، ولولاه لما تضخمت سلطة الأمن والبطش، ولولاه لما كانت السلطة الفعلية بيد العسكر منذ الاستقلال. ولولاه لما كان لفرنسا الاستعمارية هذا النفوذ والتأثير الهائل. والتحرر، التدريجي، من سرطان الاستبداد الفتاك هو بداية السير في الطريق الصحيح.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر