آخر الأخبار

"العصابة" التي ندَد بها قائد الجيش الجزائري في مأمن والحراك الثوري يواجه التضييق والقمع

2019-4-14 | المحرر السياسي

العصابة التي ندد بها بيان قيادة أركان الجيش الجزائري وتوعدها يبدو أنها في مأمن، على الأقل حتى الآن، ومن ثار عليها يُطارد في الوقفات والمسيرات ويُضيق عليه. ظن كثيرون أنه بعد البيان الذي صدر إثر الاجتماع الأخير لقيادة أركان الجيش، سيتجه طابور من الدبابات نحو مقر إقامة الرئاسة في زرالدة، لمطاردة "عصابة من المتآمرين المصممين على مواصلة نهب البلد"، لكن يبدو أن العصابة التي انتظر كثيرون أن تُطارد في أوكارها، استجابة لمطالب الشعب، ليست هي نفسها العصابة التي نص عليها بيان قيادة أركان، فمنذ أيام والتضييق يشتد على الحراك الشعبي وتظاهراته، على الأقل في العاصمة، ربما أصبح الحراك هو "العصابة" التي تعهدوا بالتصدي لها وهو المعني بالسجن والاعتقال؟ ومن يدري لعل العصابة التي يطالب الشعب بإسقاطها غير العصابة التي نص عليها بيانهم، وكنا نظن أن يبادروا إلى سجن العصابة، فإذا بهم يطاردون من خرج ضد العصابة؟؟

فأين اللهجة المُهدَدة والالتزام الصارم، وقد جندوا لتسويق بيان "شديد اللهجة" لقائد الأركان وسائل الإعلام، وخاضت معارك "دونكيشوتية" لأيام، وعملت على تعبئة الرأي وحشده في معارك سمعنا لها ضجيجا ولم نر لها أثرا، وقد قالت العرب: "أسمع جعجعة ولا أرى طحنا"، مثل جاهلي يُضرب لكثير الصخب بلا فائدة، وفي أيامنا هذه نسمع صخبا إعلاميا دعائيا ترويجيا ولم ير الشعب إلا طحنا للمتظاهرين بالهجوم عليهم بالغازات والمياه والاستفزازات وتضييقا للحراك الثوري في الجزائر. ثم ماذا بعد هذا التهديد اللفظي؟ العصابة في مأمن والحراك يواجه التضييق، لكنه مستمر وصامد وملازم للميدان (على الأقل كل جمعة) ويطارد وزراء حكومة العصابة أينما حلَوا ويُصعَد بالإضراب عن العمل.

ومع العجز أو عدم الرغبة في طرح تصور حل سياسي جاد للأزمة، يبرز، الآن، منطق القوة والقمع، وهو الخيار المرغوب الذي يدفعون به، كما يظهر، وليس بعد العيان من بيان، هو ثني الناس وصرفهم عن الخروج جماعيا، ربما في خطوة أولى لها ما بعدها. وتحاول وضع حد للحرام من دون أن تقدم السلطة الفعلية ما تخفف به عن غضب الجماهير الثائرة. وربما توهمت عبثا أن آلتها القمعية يمكنها السيطرة على الحراك الثوري الضاغط.

ويبدو أنهم تعاملوا مع "العصابة الفاسدة" ومؤامراتها ضد "الجيش والشعب والدولة"، كما جاء في نص بيان قائد الأركان، بأسهل مما يُتعامل مع مجموعة بلطجية. وربما غلَبوا الاتفاقات السرية مع رؤوس من هذه العصابة للحفاظ على مظام الحكم، في إهانة كبرى واستخفاف بإرادة الشعب وبتواطؤ قوى غامضة. واكتفوا باستسلام زعيم العصابة (الرئيس المخلوع بوتفليقة)، ولا يبدو أن أقارب زعيم العصابة يشعرون بقلق، وربما طُوي ملفها سريعا ومن دون أي متابعة جادة تسندها إرادة سياسية قوية وجادة للتطهير.

وأما قرارات المنع من السفر لبعض رؤوس المال الفاسد التابعين للعصابة، فيبدو أن هذا كان مجرد ذر الرماد في العيون لتشتيت انتباه الرأي العام والالتفاف على مطلبه الرئيسي: رحيل العصابة الحاكمة. وربما اعتقال رجل الأعمال علي حداد، المقرب من الدائرة الرئاسية الضيقة، للتضحية به "كبش فداء"، بعدما أطلقوا يده لسنوات نهبا، لتهدئة الجماهير وشراء الوقت. وأسوأ من هذا أنهم حافظوا على كل فريق العمل، تقريبا، الذي ثارت ضده الجماهير الغاضبة، وحتى أولئك الذين أُبعدوا ليسوا قلقين، ولا يبدو أنهم سيُغادرون المشهد السياسي.

ومحاولة تشويه الحراك الثوري والدفع نحو الصدام، كما حدث في الجمعة الأخيرة، لا تخطئها العين ليبرروا بهذا مزيدا من التضييق وتشديد القبضة، بعد أن فشلت كل المحاولات السابقة لاحتواء الشارع وامتصاص الغضب. فلم يبق أمام العصابة الحاكمة التي لا تزال تحكم إلا إحداث الفوضى وبث الهلع وقمع الحراك، وهو ما بدا جليا واضحا في ساحة "أودان" في الجمعة الأخيرة، بعد أن فشلت كل محاولات إنهاء الحراك الثوري السلمي الضاغط وكسر الإرادة الشعبية.

وأما عن الحراك الثوري، فثمة حالة من الشك الفوضوي وفقدان الثقة المرضي في الناشطين السياسيين، وطردهم من الحراك لن يخدم إلا المتربصين بثورة الجزائر، وإسقاط الناشطين والسياسيين المعارضين خدمة كبيرة للنظام، ولا يستقيم أن يكون عقل الثورة غضا طريا، حتى لا يُضحك على الحراك وينخدع بمكر النظام وألاعيبه، في وقت تعمل فيه السلطة الفعلية في الجزائر الآن على تنصيب دكتاتورية جديدة، سيتصدى لها الشارع بوعيه وحراكه وتصعيده الضاغط..

ومع هذا، فإن قدرة الثورة في الجزائر على إدارة التنوع والاختلاف وتفعيل الاتحادات الطلابية والنقابات العمالية ستكسبه مزيدا من الشرعية وتُظهر أهلية الحراك لتدبير الشأن السياسي، وليس ثمة متسع من الوقت للنقاش الإيديولوجي والخوض في الصراعات الفكرية والغوص في مسائل الهوية بما يصرفهم عن قضيتهم المركزية.

وما تعيشه الجزائر اليوم من وعي ويقظة وتحرر من الخوف والصنمية حدث تاريخي عظيم، ربما لم تعرفه منذ زمن طويل، وهذا التحول في الوعي والتصور والتلاحم الميداني له ما بعده، وقد يكون ما بعده افتكاك تدريجي للحكم من السلطة الفعلية.

التعليقات