"ستيفن والت": النظام السياسي الأمريكي مفتوح على مصراعيه أمام التدخل الأجنبي

2019-4-14 | خدمة العصر

كتب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، ستيفن والت، إذا كنت شخصًا أجنبيا له أجندة سياسية، فلا يوجد بلد أفضل من الولايات المتحدة.

منذ معاهدة ويستفاليا، كانت فكرة السيادة الإقليمية مسيطرة على تفكير معظمنا في السياسة الدولية والسياسة الخارجية. وعلى الرغم من حدوث قدر كبير من العمليات العابرة للحدود، فإن إحدى المهام الرئيسية لأي حكومة هي الدفاع عن أراضي الدولة والتأكد -إلى أقصى حد ممكن- من أن الأجانب ليسوا في وضع يسمح لهم بالتدخل بطرق ضارة. ولكن على الرغم من كل الجهود والمصاريف المكرسة لإبعاد التأثيرات الضارة، فقد تنتهي الدول في بعض الأحيان إلى ترك الباب الأمامي مفتوحًا على مصراعيه.

خذ على سبيل المثال أمريكا القوية. لديها وزارة ضخمة للأمن الداخلي، وتتمثل مهمتها في الدفاع عن حدودها من الإرهاب الدولي والهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات والانتهاكات الجمركية وغيرها من الأخطار. ولدى الولايات المتحدة وكالات استخبارات تراقب التطورات الخطيرة في جميع أنحاء العالم لمنعها من إيذاء الأمريكيين في الداخل.

لقد أنفقت تريليونات الدولارات على ترسانة نووية متطورة تهدف إلى ردع أي دولة معادية من مهاجمة الوطن الأمريكي مباشرة، كما أنفقت مئات المليارات من الدولارات الأخرى في السعي وراء "الكأس المقدسة" للدفاع الصاروخي. ويشعر الأمريكيون الآن بالقلق من التهديدات السيبرانية بمختلف أنواعها، بما في ذلك احتمال أن تتدخل قوى أجنبية مثل روسيا في الانتخابات الأمريكية أو تثير الانقسام وتبث المعلومات الخاطئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ثم هناك هاجس الرئيس دونالد ترامب بهذا الجدار الجنوبي، الذي أعلن أنه ضروري للحفاظ على القاعدة الجمهوريّة منتفخة، عفوًا، آسف، قصدت أن أقول "ضروري لحمايتنا من اللاجئين الفقراء أو غيرهم من غير المرغوب فيهم".

وإذا نظرنا إلى كل الوقت والجهد والمال الذي تخصصه الولايات المتحدة للدفاع عن العالم ضد التدخلات الخارجية، فمن المفارقات أن أمريكا قد تكون أيضًا أكثر النظم السياسية نفاذاً في التاريخ الحديث. إذ إن النظام السياسي الأمريكي، أكثر من أي قوة عظمى أستطيع أن أفكر فيها، مفتوح على مصراعيه أمام التدخل الأجنبي بطرق مشروعة وغير مشروعة.

أنا لا أتحدث، يقول الكاتب، عن روبوتات أجنبية تصيب العقل القومي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أن هذا احتمال مقلق. ولكن الحديث عن الحكومات الأجنبية أو غيرها من المصالح التي تستخدم مجموعة متنوعة من الطرق المألوفة لتشكيل تصورات الولايات المتحدة وإقناع الحكومة الأمريكية أن تفعل أشياء يريدها هؤلاء الأجانب، حتى عندما لا يكون ذلك في مصلحة أمريكا.

لنفترض أنك حكومة أجنبية، أو ربما حركة معارضة تتحدى نظاما أجنبيا. ولنفترض كذلك أنك تريد أن تجعل أمريكا في صفك، أو ربما تريد التأكد، فقط، من أن الولايات المتحدة لا تستخدم قوتها الكبيرة ضدك. ما هي سبل التأثير المتاحة لتحقيق هدفك؟

من الواضح، أنه يمكنك استخدام القنوات الدبلوماسية التقليدية. يمكنك إخبار ممثليك الرسميين (الوزراء والسفراء والمسؤولين القنصليين والمبعوثين وما إلى ذلك) بمقابلة نظرائهم الأمريكيين ذوي الصلة للدفاع عن قضيتك. وأثناء نشاطهم، يمكن لممثليكم الرسميين أيضًا التقرب من أعضاء آخرين في السلطة التنفيذية ومحاولة الظفر بهم أيضًا. لا يوجد شيء بعيد عن المراوغة هنا، إنها مجرد أعمال اعتيادية للآلية الدبلوماسية المتعارف عليها. وفي بعض الأحيان، هذا كل ما ستحتاج إليه، ولا سيَما عندما تتزامن اهتماماتك ومصالحك مع أمريكا.

لكن ليس عليك التوقف عند هذا الحد. على سبيل المثال، يمكنك أيضًا رفع قضيتك إلى البيت الأبيض. هناك 435 ممثلاً و100 عضوا في مجلس الشيوخ، وهذا عدد هائل من نقاط الوصول المحتملة. معظمهم لا يهتمون بسياسة خارجية (ومعرفتهم أقل)، لكن البعض منهم يهتمون وبعضهم لديهم نفوذ حقيقي.

وإذا تمكنت من الظفر بنائب أو سيناتور محترم يتمتع بوضع جيد -أو حتى إقناع أحد كبار مساعديه- فهناك فرصة جيدة لأن يتبعه كثير من المشرعين الآخرين. بالإضافة إلى ذلك، هناك كثير من السياسيين خارج الكونغرس الذين قد يتم تجنيدهم لقضيتك أيضًا. فعلى مدار العقد الماضي أو أكثر، على سبيل المثال، تحدث الديمقراطيون بمن فيهم حاكم فيرمونت السابق ورئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية، هوارد دين، والجمهوريون مثل رئيس بلدية نيويورك السابق المقرب من ترامب، رودي جولياني، أو مستشار الأمن القومي الحاليَ، جون بولتون، في اجتماعات حاشدة برعاية جماعة مجاهدي خلق (MEK)، وهي مجموعة إيرانية في المنفى، أدرجتها وزارة الخارجية من عام 1997 إلى 2012 ضمن قائمة المنظمات الإرهابية.

ولكن انتظر، هناك المزيد! يمكن للحكومات الأجنبية والشركات وحركات المعارضة أيضا استئجار شركات علاقات عامة وجماعات ضغط محترفة لتحسين صورتها العامة، والضغط على السياسيين مباشرة، ومحاولة الوصول إلى الأمريكيين المؤثرين والتعامل معهم على أنهم شركاء قيَمون.

في كتابه الممتع لكن المقلق Turmeniscam: كيف حارب جماعة الضغط في واشنطن من أجل الدكتاتورية الستالينية، أوضح الصحفي "كين سيلفرشتاين" مدى حرص شركات العلاقات العامة في العاصمة واشنطن على العمل وكلاء مدفوعي الأجر لمصلحة ديكتاتور آسيوي لا يرحم، إلى جانب الطرق المختلفة التي نمكنهم من الوصول إلى أصحاب النفوذ في واشنطن.

ولا تنسى بقية القصة. في السنوات الأخيرة، على سبيل المثال، علمنا أن عديدا من مراكز الأبحاث البارزة في العاصمة حصلت على ملايين الدولارات من الحكومات الأجنبية التي تتوق إلى تعزيز حضورها وتأثيرها في واشنطن. وقد أنكرت هذه المنظمات أن يكون للمال أدنى تأثير فيما فعلوه أو كتبوه أو صدَقوه، لكن الموظفين السابقين يروون قصة مختلفة. وحتى الجامعات ليست محصنة ضد الإغراء أيضًا.

يزداد تأثير الأجانب المهتمين أكثر عندما يمكنهم الشراكة مع مجموعات محلية تتقاسم أهدافهم، وستستخدم شهاداتهم لبيع أي مسار من الإجراءات التي يحاولون الترويج لها. وكان المثال الأكثر شهرة لهذه الظاهرة هو المتآمر العراقي الشهير، أحمد الجلبي، الذي انضم إلى المحافظين الأمريكيين الجدد للمساعدة في بيع حرب العراق في عام 2003.

وغالبًا ما تمارس الأصوات الأجنبية، مثل الجلبي، نفوذًا غير متناسب، لأنه يُنظر إليهم، زورا، على أنهم خبراء موضوعيون مع معرفة محلية واسعة، مما يجعل الأميركيين غير المطلعين أو السذج أو الكارهين أكثر عرضة للاستجابة لنصيحتهم. لاحظ، يقول الكاتب، أنني لم أقل كلمة واحدة عن التجسس أو الرشوة أو أشكال الفساد المعروفة الأخرى، رغم أن كلا منها يمكن أن يكون وسيلة أخرى للقوى الأجنبية لتعزيز أهدافها داخل حدود أمريكا.

وأخيراً وليس آخراً، يمكن للحكومات الأجنبية (أو في بعض الحالات مجموعات المعارضة) أن تستفيد أيضًا من الدعم الذي يقدمه الأمريكيون المرتبطون بقوة بالدول المعنية. فلطالما كان الضغط الإثني من قبل الأمريكيين اليونانيين والبولنديين الأمريكيين والأيرلنديين والأمريكيين الهنود واليهود الأميركيين وغيرهم من الجماعات العرقية جزءًا من المشهد السياسي الأمريكي منذ أكثر من قرن، وتدرك الحكومات الأجنبية أن هذه الجماعات يمكن أن تكون رصيدا قيما.

وكما لاحظت لجنة حكومية هندية رسمية في عام 2002، فإن الأمريكيين الهنود "تعبَأوا بشكل فعال في قضايا عديدة من التجربة النووية في عام 1999 إلى كارجيل ... وضغطوا بفعالية على القضايا الأخرى التي تهم المجتمع الهندي. ... إذ يشكل المجتمع الهندي في الولايات المتحدة رصيدًا لا يقدر بثمن في تقوية علاقة الهند بالقوة العظمى الوحيدة في العالم".

لكي نكون واضحين: يتمتع الأمريكيون الذين لديهم ارتباطات قوية بدولة أجنبية بحرية التعبير عن آرائهم ومحاولة التأثير فيما تقوم به الحكومة، بغض النظر عما إذا كان ارتباطهم الخاص يستند إلى العرق أو الإيديولوجية أو الروابط العائلية أو الخبرة الشخصية. هذه هي الطريقة التي يعمل بها نظامنا لسياسة مجموعة المصالح. ومع ذلك، فقد أدركت الهند ودول أخرى أن الأميركيين الذين يتمتعون بصلات قوية يشكلون مصدرًا للتأثير السياسي، وسيكون من السذاجة توقع عدم الاستفادة منهم.

وهذه المسألة ليست من جانب واحد، إذ تسمح سهولة نفاذ النظام السياسي الأمريكي بمزيد من مصادر المعلومات لاختراق السياسة الأمريكية، وتُسهم بلا شك في فهم أوسع للمشاكل الدولية المعقدة في بعض الحالات. ولكن طالما كان النظام السياسي الأمريكي نافذًا جدًا، فالمطلوب من الأميركيين، وفقا لتوصيات الباحث السياسي "ستيفن والت"، أن يتعاملوا مع الجهود الأجنبية لتشكيل تفكيرهم وفق التقدير الواجب. كما يتطلب الحفاظ على قدرة تحليلية متطورة ومستقلة خاصة بهم، حتى يتمكنوا من التمييز بين الحصول على معلومات مفيدة ومتى يتم خداعهم.

يجب أن يكون الأمريكيون دائمًا على استعداد لتبادل الأفكار مع الآخرين، بما في ذلك خصومهم، ولكن دعونا نحاول ألا نكون حمقى حيال ذلك. السياسة الخارجية ليست نشاطًا إنسانيًا، وحتى الحلفاء المقربين يفكرون أولاً وقبل كل شيء في المصلحة الذاتية، مما يعني في بعض الأحيان محاولة حث الولايات المتحدة على فعل ما يريدون، حتى على حساب مصلحة الأميركيين. إذا كانت الولايات المتحدة تنفق كل هذه الأموال لتأمين الحدود، فإن ترك العقل الوطني مفتوحًا وسهلا للتلاعب، هو أمر صبياني.

**رابط المقال الأصلي: https://foreignpolicy.com/2019/04/08/america-is-wide-open-for-foreign-influence/


تم غلق التعليقات على هذا الخبر