إبعاد "قورش" لاسترضاء الشارع: رجل الإمارات يحكم السودان

2019-4-13 | خدمة العصر إبعاد

بعد ثلاثين عاماً من السلطة، يغادر عمر البشير الحم في السودان غارقا في الأزمات تحت ستار الأجهزة الأمنية، الذين احتكروا الثروة ورعوا الحروب. المتظاهرون لا يريدون أن يُحرموا أو أن تُسرق منهم ثورتهم.

توقفت الأعمال في شارع النيل، وهو الشريان القاتم على طول نهر النيل الأزرق، في وسط الخرطوم، حيث يضم قصرين رئاسيين، أحدهما بناه المستعمرون البريطانيون، والآخر الصينيون بعد قرن من الزمان، في اختصار للقصة.

الكل في السودان يتحدث عن جهاز الأمن الوطني والمخابرات، دولة داخل دولة. أُنشئ لحماية النظام أكثر من مواجهة التهديدات الخارجية، وكان قادرا على دمج ميليشيات كل الحروب الأهلية في السودان لتشكيل قوة من القمع ومراقبة الوضع الداخلي، ويلتهم قطاع الأمن حوالي 70 في المائة من ميزانية البلاد المفلسة، ويتلقى جهاز الأمن والمخابرات الحصة الأكبر، وكان أحد الأطراف الانقلابية الحاسمة.

وفي مواجهة غضب الشوارع، استقال رئيس "المجلس العسكري الانتقالي"، الجنرال عوض بن عوف، ضحى به العسكر وتعهدوا بضمان تسليم المجلس للمدنيين. وهذا بعد أن تحدى المتظاهرون الأوامر وحظر التجول. ففي صباح أمس الجمعة، بعد ليلة اعتصام جديدة، وهي الخامسة، واصل حشد كثيف الخروج لشوارع الخرطوم. التصميم كان قويا، ولم يتغير إلا الشعار، فبعد سقوط الرئيس عمر البشير يوم الخميس، دُفع رئيس المجلس العسكري الانتقالي ووزير الدفاع، عوض بن عوف، إلى الاستقالة مساء الجمعة. وعُين خلفا له الجنرال عبد الفتاح البرهان عبد الرحمن، المفتش العام للقوات المسلحة، لتظهر مشاهد الابتهاج في العاصمة.

تصريحات وزير الدفاع يوم الخميس لم ترض الشارع. وبينما كان يتظاهر بالرضوخ للمتظاهرين من خلال الإعلان عن وضع رئيس الدولة السابق تحت الإقامة الجبرية، فرض حظر التجول وحالة الطوارئ و"المجلس العسكري" يحكم لمدة عامين، مع غموض كبير في عملية الانتقال، فهذا الانقلاب كان مخادعا، لأن عوض بن عوف، الرجل الثاني في النظام القديم، يعتبر قريبًا للرئيس المخلوع. "لقد ضحى النظام بالبشير لإنقاذ نفسه"، كما لخص المشهد صحافي سوداني.

في مواجهة التذمر في الشارع، رفض الجيش تأييد هذه السلطة الجديدة المستنسخة من النظام السابق، ليفاجئ الجميع يوم الجمعة بإسقاط الحاكم العسكري الجديد، ويبدّل المجلس العسكري وجهه، أمس، في ظلّ رفض الشارع الذي لا يزال يصرّ على تسليم السلطة إلى حكومة مدنية، لكن حرص المنقلبين على تهدئة الغضب الشعبي بتعيين عبد الفتاح البرهان المقرب من الإمارات، من دون تلبية مطالب المحتجين، يبدو أنه يأتي بضغوط خارجية أكثر مما هي داخلية، وفقا لتقديرات صحافية، وبدا أن الانقلابيين غير قادرين على إحداث التغيير. وقد حاول الجيش، الذي لم يظهر متماسكا، إظهار تنازلات داخلية وإقناع الغرب وأمريكا بخطوته.

وتبدو طبيعة المرحلة الانتقالية التي فرضها الجيش الدافع الأساسي لرفض الشارع للانقلاب على الرئيس عمر البشير. إذ رفض المحتجون، الذين طالبوا في تظاهرات واعتصام مفتوح أمام القيادة العامة للجيش في الخرطوم، بتدخل الجيش لحسم الموقف، وكذا تشكيل مجلس عسكري انتقالي، مطالبين بسرعة تسليم السلطة إلى حكومة مدنية تدير مرحلة ما بعد البشير. وربما يبدو اليوم مستعدا للخضوع لمطالب التظاهرات التي استغلها للوصول إلى هرم السلطة، وذلك من أجل تخفيف الاحتقان الذي قد يطيح انقلابه انقلاب مضاد. ولهذا، أعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي الذي استولى على السلطة، الفريق عوض بن عوف، مساء أمس، تنحيه عن المجلس، هو ونائبه الفريق كمال عبد المعروف، واختيار المفتش العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان عبد الرحمن، خلفاً له، وهو ما لاقى ترحيباً من "تجمع المهنيين"، الذي اعتبر تنحي بن عوف "انتصاراً لإرادة الجماهير"، لكنه دعا إلى استمرار الاعتصام أمام القيادة العامة. ويتوقع أن يُقلص المجلس الجديد مدة المرحلة الانتقالية بما يقبل به الشارع.

ويُذكر أن عبد الرحمن، الذي أدى اليمين رئيساً للمجلس العسكري، أمس، هو قائد القوات البرية السابق، والمشرف على القوات السودانية في اليمن، بالتنسيق مع قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان حميدتي، الذي أعلن، أمس، انحيازه للشارع في مطالبه بنقل السلطة إلى حكومة انتقالية مدنية.

ورأى مراقبون أن خطوة أمس قد تكون نتيجة ضغوط خارجية، فعبد الرحمن، الذي يُنظر إليه على أنه القائد الفعلي للانقلاب، أمضى حياته أخيرا متنقلاً ما بين اليمن والإمارات، خشية من انفلات الأمور، وحفاظا على الحكم الجديد الذي سيطر عليه مجلس عسكري مكون من المقربين منها.

وربما بدا أن الضغط الإماراتي كان واضحا في إعلان المدير العام لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، الفريق صلاح قوش، المفضل لدى أبو ظبي، اعتذاره عن عدم المشاركة في عضوية المجلس الذي أعلنه بن عوف، بعد ساعات فقط من إعلان حميدتي قراراً مماثلا. ويُعتقد أن اعتذار الفريق حميدتي، كما كتبت صحيفة "الأخبار" اللبنانية، يعود إلى استصغاره منصب عضو في المجلس العسكري، فالرجل كان يطمع في رئاسة المجلس، وأن يكون في منصب موازٍ لوزير الدفاع، رئيسا اللجنة الأمنية. وأطماع الرجل لم تأت من فراغ، فقواته تُعتبر ثاني أقوى تشكيل مسلح بعد الجيش، ولديها خبرات قتالية، وخاصة في مناطق درافور، وقد سارع "حميدتي، في خطوة ذكية، إلى كسب رضا الشارع ببعث رسائل طمأنة إلى قيادة "تجمع المهنيين" الذي يقود الحراك، وإلى رؤساء الأحزاب السياسية وقادة الشباب، طالباً فتح "باب الحوار والتفاوض".

وعلى هذا، وفقا لتقديرات صحيفة "الأخبار"، يبدو بن عوف قُدّم "كبش فداء" لتمرير الانقلاب لإمرار الانقلاب بشكل فجّ، على أن يتولى زمام الأمور بعده مقربون من المنقلبين الحقيقيين، وأن يحملوا معهم قرارات جديدة تهدّئ غضب الشارع، إذ إن صلاح قوش وعوض بن عوف مغضوب عليهما شعبيا. وربما تخوف أضلع مثلث الانقلاب الثلاثة، بن عوف وقوش وحميدتي، أن غضب الشارع يمكنه أن يطيح الانقلاب الحاصل بانقلاب مضاد، بتأثير من الضباط الصغار، الذين ثبت تأثيرهم في تاريخ الانقلابات في البلد، فسارع صلاح قوش، المفضل إماراتيا، إلى الابتعاد عن مسرح الأحداث، لإرضاء الشارع والحفاظ قدر الإمكان على التغيير الحاصل في مثلث الحكم، الذي يحفظ لأقطابه مصالحهم ويوفر لهم الحماية، علماً بأن قوش، الذي تعزز في عهده التعاون بين المخابرات السودانية ووكالة الاستخبارات الأميركية في ما يعرف بمكافحة الإرهاب، هو من كان يُرجَّح أن يقود أي انقلاب ضد البشير، خصوصاً أن لقوش سوابق في ذلك، إذ اعتقل عام 2011 (لسبعة أشهر) بتهمة محاولة الانقلاب والتآمر على الدولة، حين كان مستشاراً أمنياً للبشير.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر