في ثورة السودان "إما النصر وإما مصر"

2019-4-13 | وائل عصام في ثورة السودان

تعليق لافت قاله أحد الناشطين في السودان: "إما النصر وإما مصر"، محذرا من مصير جارتهم الشمالية، مصر التي نجحت ثورتها في البداية بالإطاحة بالرئيس محمد حسني مبارك، الذي كان من أبناء الجيش المصري، وانتشرت يومها شعارات مؤيدة للمؤسسة العسكرية، كنت أسمعها في ميدان التحرير، مثل (الجيش والشعب أيد واحدة)، لكن هذا الجيش وهذه المؤسسة العسكرية العميقة، سرعان ما استعادت أنفاسها وعادت للسلطة، مرتكبة مجازر بحق الثوار الذين هتفوا لها، وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها أكبر جريمة قتل جماعي لمتظاهرين في يوم واحد، فلم تكن «يد الجيش» متعاونة مع الشعب، كما شعار ساحة التحرير الشهير، بل يد ملطخة بالدماء.

"جون ماكين"، السناتور الأمريكي البارز الذي رحل العام الفائت، جاء يومها للقاهرة، ووصف ما حدث بالانقلاب، وقال إن الرئيس الذي انتخب، يقبع اليوم في السجن، والجيش هو من يحكم، فسأله بعض صحافيي السيسي عن سبب تسميته لما حصل بالانقلاب، مدللين بالمظاهرات التي خرجت مؤيدة للسيسي، باعتبارها ثورة جديدة لا انقلابا، فأجابهم يومها ماكين "إذا كانت تمشي كالبطة وتصدر صوتا كالبطة فهي بطة". وهكذا حال السودان اليوم، يأتي وزير الدفاع في النظام ليعلن "اقتلاع النظام" وتنصيب مجلس عسكري يحكم البلاد لعامين، تماما كما حصل في مصر، قبل أن تتجه البلاد نحو انتخابات صورية يعاد فيها انتخاب رئيس المجلس العسكري رئيسا للبلاد، فالسلوك هذا يوحي بأن العملية هذه "تعرج كالبطة وصوتها كالبطة".

الملاحظ أيضا، والمشهد المصري يواصل إلقاء ظلاله على السودان، أن وزير الدفاع السوداني، خريج الكلية العسكرية المصرية، وهو أيضا وللمفارقة، كان رئيسا للاستخبارات العسكرية السودانية سابقا، كما السيسي. في خلال التظاهرات الشعبية في ميدان التحرير في القاهرة، تحدث الإعلام المصري كثيرا عن أن الجيش المصري قام بدور في حماية المتظاهرين في الميدان، وتفشت شعارات التأييد للجيش والمؤسسة العسكرية.

ورغم أن حوادث كثيرة عايشناها في ميدان التحرير كانت تشير إلى غير ذلك، من مناوشات ومشاحنات بين قادة الثوار الميدانيين وضباط الجيش، وتعامل الجيش الفظ والقمعي مع الصحافيين الذين جاءوا لتغطية الثورة، فمثلا، كسر أحد الضباط كاميرتي على نقطة عسكرية في مدخل ميدان التحرير، وشاهدت جنديا يقتل متظاهرا بإطلاق نار عشوائي على مجموعة متظاهرين فوق الجسر، وسقط الشاب المسكين صريعا برصاصة في الرأس، لكن هذا كله، لم يكن سوى "بروفا" صغيرة لما سيحدث بعد ذلك في ميدان رابعة وجامعة القاهرة، عندما قامت قوات خاصة بقمع المحتجين ضد انقلاب الجيش على الرئيس المنتخب محمد مرسي، ونفذت المؤسسة العسكرية بأوامر السيسي مجزرة ضد المتظاهرين ليقتلوا نحو 1500 متظاهرا سلميا في خلال 48 ساعة.

لقد تبين أن الجيش بكبار ضباطه، كان المؤسسة التي ظلت تحمي بذور الانقلاب على الثورة، وما إن حانت الفرصة، حتى استعاد الجيش السلطة، وأنهى الحياة السياسية الديمقراطية تماما، وقمع كل أوجه الحريات الإعلامية، بدءا بالمظاهرات المعارضة، وصولا لإعلاميين ناقدين، وإن كانوا مناوئين للإخوان المسلمين مثل باسم يوسف.

في السودان، قد لا يتعامل الجيش بالسيناريو المصري نفسه، والقمع للحياة المدنية، وقد يتعامل بالأسلوب نفسه، وتحتاج الإجابة لخبير في مؤسسة العسكر السودانية، لكن فرض حكم عسكري لعامين من دون الإعلان عن انتخابات ديمقراطية، هو بداية عرجاء، كبطة ماكين.

ويبدو أن خلاصة ما، تكشف في ثورات الربيع الأخيرة، أن الثورات السلمية تقليعة أوروبية تنجح في مجتمعات مدنية لا سلطة فيها للعسكر أو القبيلة أو الطائفة. أما في بلداننا، فالحكم هو لواحدة من هذه المؤسسات وقد يكون مزيجا منهم، والربيع العربي وإسقاط الأنظمة، لم ولن ينجح بالمظاهرات السلمية.. بل بالاستعانة بواحدة من عصائب السلطة النافذة في المجتمع (القبيلة الطائفة أو العسكر).


تم غلق التعليقات على هذا الخبر