قيادة الجيش "تدير ظهرها" للحراك: السلطة الفعلية في الجزائر تعتمد خطاب التخوين والشارع يتحدى

2019-4-12 | المحرر السياسي قيادة الجيش

بينما الشارع والملايين ينتظرون بعض التغيير العميق، على الأقل من باب التهدئة واحتواء الغضب، وهم ملازمون للساحات والميادين، إذا بواجهة السلطة التي ما زالت خاضعة لعصابة الحكم تعيين رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح (أحد أوفياء الرئيس المطرود وكبار كهنة المعبد) رئيسا مؤقتا للجزائر بعد إثباتهم حالة الشغور في منصب رئيس الجمهورية، إهانة كبرى للحراك الشعبي واستخفاف بالملايين الثائرة، والحجة الالتزام بـ"الدستور"؟ وكان الدستور ملجأهم بعد أن حاصرتهم الثورة الشعبية السلمية، وهذا خيار يحقق لهم قدرا من التوافق بين جناحي الحكم المتضاربين. فهل خرج الشعب بالملايين في الشوارع والساحات ليُروض بسهولة، ويكون الرد على حراكه الثوري تعيين أحد أوفى أوفياء الرئيس المطرود، بن صالح، رئيسا مؤقتا لإدارة المرحلة الانتقالية والتحضير للانتخابات الرئاسية. وهل يمكن أن نثق بأن النظام الذي يدفع بعبد القادر بن صالح إلى صدارة واجهة السلطة يمكن أن ينظم انتخابات من دون تجديد لنظامه؟

وقول رئيس الحكومة السابق، "أحمد أويحيى"، أكره شخصية سياسية في تاريخ الجزائر المستقلة، عن الحراك الشعبي بأنه "زوبعة في فنجان"، دليل على استخفاف العصابة بثورة الملايين، وأنها لا تشعر بأي ضغط وكأنها في مأمن وسعة من أمرها، بما يؤكد أن كل حديث عن "التطهير" في سياق صراع الأجنحة إنما هو خاضع لتصفية الحسابات وسقفه محدود ولا يمكنه الذهاب بعيدا، وليس من العقل الرهان عليه، ولا تعويل إلا على تصعيد الضغط الشعبي السلمي والصمود في الساحات والميادين، غير هذا وهم وتيه

وعلى هذا، فما يحدث الآن سرقة للثورة وإدامة للنظام الكارثي المتهالك. يريدون إدخال الحراك الهائلة في نفق الدستور المظلم الممل المتعرج، لتُستنزف في جزئياته ومتاهاته، إنهاكا لحراكنا وإضعافا للإرادة الشعبية وبهذا، يُفسحون لأنفسهم المجال لإعادة ترميم النظام القديم.

والحراك بوعيه ويقظته يدرك أن العسكر هم أصحاب السلطة الفعلية، فما كان لعصابة بوتفليقة أن تنهب وتدمر من دون غطاء من قيادة الجيش، التي أدارت ظهرها للتعبئة الشعبية الهائلة بالملايين، وخطاب التخوين الأخير لقائد الأركان ينذر بالتصعيد والتضييق على الحراك واستخدام الأدوات القمعية لإنهائه تدريجيا، وما كان من لغة "ناعمة" ومنحازة، في ظاهرها، لإرادة الشعب لم تكن إلا محاولة لامتصاص الغضب والالتفاف على مطالبه الأساسية برحيل العصابة الحاكمة، ولكن سرعان ما استعاد خطاب التخوين والأيادي الخارجية، في تلويح بالتصعيد القمعي.

وأظهر الشعب الثائر، حتى الآن، وعيا كبيرا وتصميما على المضي في حراكه الثوري السلمي، ورفض محاولات الاستدراج لأي صدام، وهو مدرك أن بعض التخطيط الأمني يحاول جره إلى الملعب الذي هم بارعون فيه ولا يتقنون سواه، ولا يزال متمسكا بسلميته الضاغطة متسلحا بالوعي والإرادة، وليس مستعدا لشراء أيَ وهم ولا أن يثق إلا في حراكه.

وفرق كبير بين من يريد تجديد النظام لضمان استمراريته من داخله، بالاعتماد على مخزونه وكهنته، وبين من يريد تغيير النظام بالاعتماد على الأهلية والكفاءة والنزاهة من خارج دوائر الحكم الفاسد..المادة 102 من الدستور، التي عملوا بها الآن (إثبات شغور منصب الرئاسة ومرحلة انتقالية يقودها رئيس مجلس الأمة تستغرق 90 يوما تنتهي بتنظيم انتخابات رئاسية) تسمح للنظام بأن يجدد نفسه بنفسه، ولا علاقة لها بأي استجابة لمطالب الشعب، ومتى كان النظام بكل أذرعه ومكوناته يؤمن بالدستور، وليس ثمة رأس، أيا كان، في هذا النظام يؤمن بأي تغيير عميق؟

ولعل الذي كان واهما أو ظن ظنا حسنا بإمكان تدخل طرف في النظام والحكم للدفع نحو التغيير والاستجابة لمطالب الشعب، بالمناورة والخداع والتلاعب، استفاق ونفض عنه غبار الوهم والتعلق بالسراب. هذا النظام، كل النظام، عدوَ للتغيير الجذري ويرى فيه تهديدا لمصالحه، ولم ننهض ونتحرك لنستبدل جناحا للنظام بجناح آخر.

وكل ما أنتجه بوتفليقة وصنعه على عينه، طيلة فترات تسلطه، ما زال يحكم، وكل رؤوس وقادة مؤسسات البلاد، من دون أي استثناء، صنيعة العهد البوتفليقي، فهل يُعقل أن يغير النظام البوتفليقي نفسه بأدواته ورجاله؟؟؟

أظن رسالة قائد الأركان الأخيرة قطعت الشك باليقين وأماطت اللثام عن الوجه الحقيقي للسلطة الفعلية، وأن رؤوس النظام ومراكز القرار فيه لا يمكنها البتة الإقدام على أي تغيير حاد وحقيقي داخل الحكم...التغيير من الداخل وهم تعلقنا به لعقود..وأما تخوين و"شيطنة" من رفض الالتزام بخريطة طريق السلطة الفعلية، فهذا عين ما تريده السلطة، إحداث التصدع داخل الحراك الثوري وضرب بعضه ببعض لتخرج هي منتصرة على الشعب وثورته وقد فرضت منطقها الكارثي.

وممُا يبدو أن ثمة صفقة أُبرمت بين قيادة السلطة الفعلية وجناح عائلة بوتفليقة، وإلا لما أبقوا على العصابة تدير الواجهة المدنية، من دون المساس بهم، والسؤال الآن: ما هي الصفقة التي أُبرمت مع حكم بوتفليقة لإعادة إنتاج النظام لنفسه؟؟

خريطة الطريق التي أبقت على عصابة بوتفليقة في الحكم ستمكن النظام من تجديد نفسه، والسلطة الفعلية التي أتت ببوتفليقة تدفع باتجاه استرداد ما تعتبره "حقا تاريخيا" في صناعة الحكام. ومهما اشتدَت صراعاتهم على من يخلف الرئيس المُقعد المطرود، لن يحتكموا إلى الشعب في أمرهم، ليقرر مصيره، سيتفقون على خريطة طريق حماية لمصالحهم ونفوذهم وحكمهم، قد تكون بينهم تصفية حسابات وحرب مواقع، لكنهم سيتفقون في الأخير على إبعاد الشعب عن القرار ويتآمرون على ثورته، وربما هذا ما يحدث الآن داخل أروقة الحكم.

وفي عمليات التغيير السياسي العميقة الهائلة، تحتاج إلى الضغط من الأسفل وتعميق الانقسام في الأعلى، أو بعبارة أخرى تصعيد الضغط الشعبي وتعميق الانقسام والتصدع بين أجنحة الحكم، وهذا بالدفع المستمر المُلجئ، ولو أرخى الشارع قبضته على الميدان لسهَل المهمة على الحكم في فرض الأمر الواقع وتجاوز الضغط الشعبي، وبهذا يكون قد أصاب الحراك الثوري في مقتل

والميدان والساحات ضامن لمكاسب الحراك الثوري الضاغط في مواجهة تصميم السلطة الفعلية على التمسك بجوهر النظام، وهي مركز الثقل فيه، وترميم بعض واجهته باعتماد مسار سياسي تتحكم في إدارته.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر