السلطة الفعلية في أيدي قادة العسكر: القادم أصعب وأكبر اختبار لوعي الثورة الجزائرية

2019-4-9 | خالد حسن السلطة الفعلية في أيدي قادة العسكر: القادم أصعب وأكبر اختبار لوعي الثورة الجزائرية

طُرد الرئيس بوتفليقة، لكن النظام لا يزال قائما. والسلطة الفعليَة، حاليَا، هي في أيدي الجيش الذي يحاول فرض عملية انتقالية. ويشعر الجميع بالقلق من الأيام القادمة. وتشير المناورات السياسية إلى استمرار النظام بانتقال الحكم من جناح إلى آخر في ظل حرب نفسية شرسة.

وحتى لا نمضي بعيدا في تقدير تأثير التحركات العسكرية الأخيرة في ليبيا في أوضاع الجزائر، أو غيرها مما يُحاك في الإمارات أو فرنسا، فإن التآمر الداخلي على الحراك الشعبي، بدعاوى مغرية ومخادعة، أخطر من أي ضغط أو تآمر خارجي وأبلغ تأثيرا وأشد وقعا. فما يواجهه الحراك اليوم يبدو هجوما مضادا لخنقه والتضييق عليه وإنهاء التحدي والضغط للرضا بما "تحقق" وإعادة الجميع إلى الصفوف لمباركة إدارة الفترة الانتقالية من داخل النظام نفسه.

وعلى هذا، فما أسقطه الحراك الثوري في الجزائر وحققه، حتى الآن، أسهل ممَا هو آت. فما قبل طرد رأس العصابة الحاكمة، بوتفليقة، كان الثوار يعرفون ما يريدون، أما اليوم، فيفتقدون لما يكفي من رؤية واضحة وقراءة صحيحة لما هو قادم، ولكن مهم أن يؤسس الحراك موقفه وتصوره على الحقائق لا الأوهام والإشاعات والأمانيَ، وأن يواكب ناشطوه وعي الجماهير واندفاعهم الواثق وصمودهم وصلابتهم، أما الإغراق في الهواجس والمخاوف فيعيق الحراك ويُثقل كاهله.

فلم يتحرك وينهض ويثور أكثر الشعب لنستبدل أصناما بأخرى، ولا ليكونوا شهداء على انتقال الحكم من مجموعة إلى أخرى، وإنما ليُعيدوا تأسيس النظام على الاختيار الحر والنزاهة والشفافية والعدالة والمحاسبة والمساءلة والمراقبة الشعبية.

وبعد التصعيد بين جناح الرئاسة وقيادة أركان الجيش، تراجع الأول تحت الضغط الشعبي الهائل، وعمَت الفرحة جميع الجزائريين. لكن انتقل التوتر بسرعة في الجمعة الأولى من دون بوتفليقة إلى الحراك الشعبي، وانقسم إلى مؤيد لتدخل العسكر في تدبير الشأن السياسي ورافض لأي مناورة أو ركوب لموجة الحراك للسيطرة على الحكم، ومن الصعب معرفة ما يُطبخ، حاليَا، لكن هناك حاجة ملحَة لليقظة، فالأصل الذي قامت عليه الثورة الشعبية السلمية أن تستردَ السلطة من مغتصبيها ومختطفيها، أيا كانوا، حتى لو رفعوا المصاحف وتعلقوا بأستار الكعبة. واللعب الآن على المكشوف، فما عادت السلطة الفعلية (قيادة العسكر) تحكم من وراء ستار، فالحراك الضاغط المؤثر أخرجها إلى العلن وكشف أوراقها، وهي تناور وتخادع، والصراع الآن بين أجنحة الحكم القوية والمستميتة حول من يحكم ويستولي على مراكز القرار، فليس أيَ منها مستعدا للتنازل أو الانسحاب.

وما يجري في الغرف المغلقة من تدبير في الظلام من السلطة الفعلية لرسم خريطة الطريق بعيدا عن تطلعات الحراك الشعبي، بما يحرمه من حقه في تقرير مصيره السياسي، باطل لا يقره الأحرار والشرفاء، ولا يمكن لهذه الثورة السلمية الواعية تلقي ما تنتجه الظلمات والغرف المغلقة، وما كان بالإمكان تمريره بالأمس ما عاد مستساغا اليوم، والتماطل خديعة والبحث عن بدائل داخل نظلم الحكم نفسه انقلاب على الثورة واستخفاف بجماهيرها.

ولن ينقل جموع المتعطشين للحرية والانعتاق من عهود الاستبداد والنهب والإفساد إلى المستقبل إلا أفكار جديدة شجاعة من خارج السلطة المغلقة المظلمة لا من داخلها، والثورة انقلاب على سلطة القهر والاستبداد، بشقيها المدني والعسكري، والتسلط يجبر الناس على التمرد.

وهنا، مهمَ جدا أن يرفع أحرار الجزائر من مثقفين وسياسيين وناشطين وعموم الجماهير الواعية أصواتهم بلا تردد ولا تلكؤ: لا لعسكرة الدولة، لا لحكم الظلمات والغرف المغلقة، لا للوصاية من أيَ كان وتحت أي ظرف وبأيَ مسوغ. وإن ساير أكثر الحراك الثوري السلطة الفعلية الحاليَة وخذل مطالبه، ومرَر خريطتها، فإنه كمن يخرب ثورته بيده، فاليقظة اليقظة، وأربأ بكل حر شريف أن يكون محلَلا لسياسة لا يقبلها عقل وضمير.

ثم إن التشكيك الفوضوي والهدم المتبادل (من داخل الحراك) لا يصنعان وعيا، موجة تدمير الناشطين السياسيين بدعاوى شتى هو تدمير للإنسان اليقظ الواعي، والانغلاق على صراع الهوية وتضخيمه سيصرفنا عن القضية الكبرى الجامعة للحراك الثوري الرائع: تطهير النظام من حكم العصابة والشبكات والأجنحة المتصارعة التي تنهش بعضها بعضا للسيطرة على مراكز القرار. وسوء تقدير الموقف السياسي يحجب الرؤية الواضحة العميقة. والتوسع في الحديث عن الدولة العميقة أو الكيان الموازي حتى يُخيَل للسامع أو القارئ أنه وحش يلتهم جميع الناشطين والسياسيين أو أكثرهم استخفاف بالعقول.

وما يراهن عليه كثيرون ويصورونه "المنقذ من الضياع والتيه" و"المُخلَص" (قيادة الأركان التي تجسد النظام القديم، لا الجيش المنحاز عموما لخيار الشعب) قد يكون القفل الذي يغلق ويسدَ كل أمل في التغيير الجذري، فالتقدير الصحيح للموقف يُحصَن الحراك الثوري الضاغط. والجمعة القادمة ربما ستُحدد اتجاهات الرأي داخل الحراك الشعبي.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر