آخر الأخبار

الخراب في سوريا والعراق يغذي تهديداته: "تنظيم الدولة" يواصل حربه بصمت

2019-3-26 | خدمة العصر الخراب في سوريا والعراق يغذي تهديداته:

اخترق مقاتلو "قوات سوريا الديمقراطية"، أخيرا، وبدعم حاسم من التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، الدفاعات اليائسة لآخر جيب يسيطر عليه "تنظيم الدولة" في قرية الباغوز على مقربة من الحدود العراقية. وقد لجأ إليها كثير من مقاتلي "داعش"، مع أسرهم، بعد أن غادروا العراق ومناطق أخرى في سوريا بسبب الغارات الجوية والقصف المدفعي، وكذا الهزائم المتتالية أمام تحالف دولي حربي هائل، وصفته تقديرات موقع "أونتي وار" الأمريكي بأنه كان "صراعا كبيرا وطويلا"، أطول من الحرب العالمية الأولى، وشاركت فيه حوالي 80 دولة، وكانت المعركة أشد بكثير من الحرب على أفغانستان، كما نقلت صحيفة "القدس العربي".

واستغرق الأمر أكثر من أربع سنوات وحشد دولي، لحشر "داعش" في هذه الزاوية الصغيرة. لكن على الرغم من القصف الوحشي، فإن المعاقل النهائية في الباغوز رفضت الاستسلام حتى آخر مقاتل. إذ مكَنتهم شبكة الأنفاق والخنادق التي حفروها من الصمود لفترة أطول من المتوقع، ومقاومة قصف التحالف، الجوي والمدفعي. ومع كل هذا، لا يزالون يرون فيه تهديدًا. لهذا، حاربوه بوحشية ودموية إلى آخر لحظة، وكان الدمار والقتل فظيعين.

ويكاد يتفق أغلب المحللين والمراقبين أن "داعش"، الدولة والكيان المترامي الأطراف، انتهت، ولكن "داعش" الفكرة والعقيدة القتالية الصارمة وصنيعة المظالم والدمار والخراب، لا تزال باقية. وفي تقدير بعض المحللين، فإن محاربيها سيواجهون "داعش" من نمط مختلف، ربما أكثر غموضا وتعقيدا وتسترا، وليس كيانا قائما يسيطر على مناطق، وهم، بهذا، ملزمون بإتباع نهج مختلف تمامًا في قتالهم. وفي هذا السياق، رأى الباحث في مركز السياسة العالمية بواشنطن، حسن حسن، أن التحدي الذي تفرضه "داعش" ما عاد عسكريا في المقام الأول، وإنما هو تهديد أمني، ولهذا تبحث لها عن خلايا نائمة ومتعاطفين وناقمين وشبكات دعم في العراق وسوريا وحتى في الخارج.

وقد صرح مسؤولون عسكريون أمريكيون أن مستوى الالتزام الإيديولوجي القوي غير المستسلم لمقاتلي "داعش" في الباغوز يمثل تهديدًا طويل المدى، وهذا ما أشار إليه أحي مؤلفي كتاب "داعش: جيش الرعب"، حسن حسن، من أن الفكرة نفسها ستبقى مصدر إلهام وتعبئة، لأنها لم تبدأ مع "داعش"، فقد سبقت التنظيم وستظل محفزة لمقاتلي الزمن القادم. و"داعش" إنما هي صنيعة مظالم وبيئة باعثة على التمرد، وهي لا تزال قائمة، وربما أسوأ مما كانت عليه وأكثر دفعا وتحفيزا على الانخراط في الصراع الطويل المرير. وهو ما ذهب إليه، أيضا، الصحافي في قناة "فرانس24"، المتخصص في شؤون الحركات الجهادية، وسيم نصر، إذ رأى أن ما حدث في الباغوز نهاية لحلم "داعش" في دولته وكيانه، المثير للجدل، لكنه ليس نهاية للفكرة والمجموعة. صعود "تنظيم الدولة" وقتاله في الباب ودير الزور والفلوجة والموصل والرقة، ثم بلدة الباغوز، وما آلت إليه الحرب الوحشية عليه، من دمار وخراب، ولجوء الملايين إلى المخيمات، قصة قد لا تنتهي قريبا، وربما ستطول.

وفي المحصلة، يقول الصحافي "وسيم نصر"، فعلى الرغم من انتهاء سيطرتها الميدانية، فلا تزال "داعش" قادرة على الوصول إلى أي مكان ترغب فيه. وسيعود لإستراتيجية الاختفاء وإعادة الانتشار في الصحراء، البيئة التي يعرفها وتعرفه، واحتضنته في بدايات ظهوره وكان يلجأ إليها عندما يشتد عليه الضغط والخناق، وربما ظل محافظا على وجود له، وإن محدود، في أكثر أوقات الصراع منذ صعوده. وتشير التقديرات إلى أنه سيستأنف أسلوب عمليات التمرد، الذي اعتمده في الفترة الممتدة من 2007 إلى 2013 في العراق، وكان منه شن هجمات أو تفجيرات انتحارية على حواجز الطرق أو القوافل، وتنفيذ أعمال قتل واستهدف السياسيين أو الشخصيات أو مسؤولين.

ويرى مراقبون أن التخطيط لهذا "الخيار التكتيكي" ليس وليد لحظة انهيار الكيان، وإنما ربما بدأوا به منذ فترة، لأن تنظيم "داعش" أدرك أنه في النهاية سوف يفقد السيطرة على المناطق والأقاليم الحضرية التي اجتاحها، ويتيح له هذا الخيار أن يشكل تهديدا دائما، وأن يكون غير مرئي أو بعيد المنال، دون وجود خط أمامي ثابت، وبالتالي يصعب قتالهم. وقد تمكن التنظيم من زرع شبكة من الأشخاص بعد عدة سنوات من السيطرة الإقليمية والإدارية. وهو حتى وإن خسر كيانه، فلم يفقد "ثورته"، كما كتب الباحث الأمريكي في شؤون "الشرق الأوسط،" ديفيد كينر.

وقد أشارت تقديرات محللين إلى أن الغرض من هذه الإستراتيجية المعتمدة، هو مضايقة وإلحاق الضربات بعيدًا عن خط المواجهة لإبقاء الخصم تحت الضغط من خلال التسبب في خطر دائم وتعطيل طرق إمداده. وتسمح هذه الإستراتيجية لداعش بإثبات أن مقاتليها موجودون وقادرون على ضرب ما يريدون، اعتمادًا على الفرص.

ولا يزال تنظيم "داعش" يسيطر على مناطق معزولة في البادية السورية في دير الزور. ويمكن لمقاتليه القيام بدوريات بسهولة في الصحراء، التي يُفترض أنها خاضعة لمراقبة النظام، من بادية حمص الشرقية، بالقرب من دير الزور، وحتى بادية السويداء البادية، وربما ستشكل خلايا "داعش" تهديدا، هناك، لقوات سوريا الديمقراطية وميلشيات النظام. وقد نفذت خلاياه ومجموعات تابعة له منتشرة في الصحراء هجمات كثيرة بين منتصف ديسمبر وأواخر فبراير، فما دامت أسباب ظهوره ودوافع انتشاره قائمة، ولم يطرأ عليها أي تبدَل، فلا يُتوقع له أي انقراض نهائي، وكما كتبت صحيفة "وول ساريا جورنال" الأمريكية أن "الخراب في سوريا والعراق يغذي التهديدات المتطرفة التي ما زالت تتحدى القوى الأجنبية".

وما يمكن استنتاجه، حتى الآن، وهو ما يميل إليه كثير من المراقبين والباحثين، أن هزيمة نهائية للتنظيم لا تزال بعيدة المنال، وهنا مهم التفريق بين نهاية الكيان السياسي والإداري للتنظيم، وبين نهايته باعتباره حركة تمرد سنية مسلحة متطرفة تغذيها المظالم والتدخلات الأجنبية وانهيار الحكم المحلي، وتستند إلى هيكلية تنظيمية وأيديولوجية وتمويل.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر