محاذير إطالة الحراك الثوري: قراءة في بعض مناورات النظام الجزائري 2/3

2019-3-25 | محمد الأمين مقراوي الوغليسي محاذير إطالة الحراك الثوري: قراءة في بعض مناورات النظام الجزائري 2/3

بقلم: محمد الأمين مقراوي / كاتب جزائري

يلعب الزمن دورا هاما في نجاح أو فشل الثورات الكبرى، ويزداد أهميّةً  كلما كان الواقع المراد تغييره مُعقدا، وكلما كانت السلطة الحاكمة متمرسة على المراوغة والمناورة، وفي هذه المقالة نحاول ترشيد بعض ردود الأفعال التي تنجم عن المناورات -تسميها السلطة مبادرات- التي لا يزال النظام الجزائري يطلقها بين الفينة والأخرى لكسب المزيد من الوقت، وتشتيت الحراك الشعبي، وهي مؤشر على عدم تراجعه عن مواقعه؛ حيث لا يزال المبادر الأول في صناعة الأفعال، بينما لا يزال الشعب إلى الآن يرد على الأفعال التي تصدر عن السلطة المستبدة بسياساتها.

* بين فورة الغضب وضبابية الطريق:

عندما تخرج الشعوب منتفضة، فإنها تخرج بنفسية مشحونة، يشحنها الغضب والحنق مما عاشته قبل لحظة الانفجار الثوري الكبير؛ ولذلك تكون حادة في مطالبها، شديدة في لهجتها، عنيدة وجادة في طلبها، وهذا ما يحدث في الجزائر حاليا، حيث لا تزال الأمّة الجزائرية تحافظ على لهيب الثورة وقادا يضيء الطريق للجموع، ويحرق مناورات السلطة، إلا أنّ الحقيقة التي يجب الإشارة إليها، هي أن إطالة الزمن الثوري دون وجود رؤية واضحة، ثم قيادة متمرسة ومرضيَ عنها شعبيا، ودون معرفة حجم النظام، والعلب السوداء المكونة له، وأخيرا رؤوس الدولة العميقة وتشكيلاتها وهيكلتها، كل هذا يهدد الحراك الشعبي بالتعثر.

وحتّى نكون واقعيين، نضرب بعض الأمثلة لمناورات أطلقها بعض رموز النظام هذه الأيّام، حيث سارع الحراك الشعبي في البداية إلى تصديق المناورات التي خرجت بها أحزاب السلطة، والتصريحات التي أدلى بها زبانية النظام الجزائري المستبد، كان أبرزها تصريحات أحمد أويحي، أحد أساطين النظام وعرابيه الأكثر خبرة وحنكة في الدجل السياسي، تلتها تصريحات معاذ بوشارب المحسوب على الحزب "الحاكم"، والتي ادعوا فيها انضمامهم إلى الحراك الشعبي الجزائري، وهي تصريحات مخادعة تتضمن مخاتلة سياسية خطيرة، لم ينتبه إليها الكثير من المتابعين إلا بعد مرور أسبوع كامل، خاصة مع تبني القنوات العالمية لهذه التصريحات، واعتبارها انشقاقا عن النظام.

* إستراتيجية امتصاص الغضب الثوري:

إن القراءة الهادئة لتصريحات أزلام النظام، والتي ادعت فيها انحيازها إلى الشعب، تكشف لنا أنها مجرد إستراتيجية جديدة قديمة، يتقنها النظام الجزائري، الذي فهم -عبر خبرائه الذين باعوا خبراتهم العلمية مقابل بعض المال والسلطة- أن الباعث النفسي هو أكبر محرك للشعب، الذي لم يرفع أساسا مطالب اجتماعية أو اقتصادية، بل رفع مطالب تتمحور أساساً حول استرداد كرامته والتحرر من قيود -ما يمكن تسميته- الحامية الفرنسية في الجزائر، والشعوب التي تخرج أساسا لأجل مطالب مصيرية وسياسية، يصعب التحكم فيها، فهي مستعدة لكل شيء إلا للتراجع، وهذا ما نشهده في الجزائر حيث تنمو كرة الثورة يوما بعد يوما، ويزداد الغضب الشعبي، وتزداد معه حدة العناد الثوري.

ولهذا يحاول النظام امتصاص الغضب والاحتقان النفسي لدى الثائر الجزائري تخفيف حالة الغضب لدى الشعب، غير أن الغريب هنا لا يكمن في هذه المناورات، بل في تبني بعض رموز المعارضة الشعبية لها -عن حسن نية- واعتبارها علامة على تفكك النظام، وكأن الذي استقال أو أقيل أو ادعى انضمامه إلى الحراك أحد أقطاب الدولة العميقة، أو أحد أعمدة العلبة السوداء التي تدير المشهد السياسي في الجزائر.

وقد استفاد النظام من هذا التبني المجاني للتصريحات التي أدلى بها بعض رموزه، ثم تراجعوا عنها، وميّعوها، فهو من جهة يضرب مصداقية العقول التي تحاول توجيه الحراك الشعبي، وهو من جهة ثانية يربك الساحة الجزائرية برمتها، ويتلاعب بالجميع، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو: كيف نتعامل مستقبلا مع مثل هذه الحالات؟

* أزلام النظام بين الانشقاق والالتحاق:

تحتاج الثورات أو الهبات الشعبية الكبرى إلى حلول عملية مبنية على تجارب وخبرات والاستفادة من عثرات الثورات السابقة، وهنا نذكّر بما حدث للثورة السورية، والتي اكتشف السوريون في العام الماضي أن كثيرا ممن انشقوا عن النظام لم يكونوا سوى عيونه التي يبصر بها عمق الداخل الثوري، بل وكانوا يده الضاربة والمؤسسة للفتن التي حصلت بين الثوّار.

ومن هذا المنطلق، فيمكن اقتراح ما يلي:

أولاً: لا يقبل انضمام أركان النظام إلى الحراك الشعبي لمجرد تصريحاتهم الإعلامية، والتي يدعون فيها مساندتهم للحراك الشعبي أو الثورة.

ثانيا: أن يقوم كل منشق عن النظام بتقديم استقالته من كل المناصب السياسية التي ولّاه إياها النّظام.

ثالثا: أن يتعهد بالتخلي عن كل طموحاته السياسية في المستقبل، وأن يعتزل السياسة اعتزالا تاماً.

رابعا: وهذا الأهم -في نظري- أن يكشف عن أوراق النظام، ويسهم في تفكيك أركانه، وكشف الألغام السياسية، والألاعيب التي يخطط لها، وأن يفضح كامل مخططاته، ويقدم بيانا شافيا للشعب والأمة عن الكيفية التي أديرت بها الدولة.

فإذا لم يحقق المنشق عن النظام هذه الشروط، فإن تصريحاته ستقرأ في النهاية على أنّها مناورة ومراوغة ومخاتلة سياسية، وأنّه أداة من أدوات النّظام في إفشال الثورة.

أخيرا، يجب أن نشير إلى نقطة هامة جدا، أن الأنظمة العربية تعمل عادة على تشجيع هذه الانشقاقات المزيفة لأجل كشف كل من لهم نوايا في الانشقاق عنه، ليتم التعامل معهم بعد ذلك بالقتل أو الإخفاء القسري، أو الاعتقال، وهذه نقطة مهمة، تجعل كل من عمل مُكرها مع النظام، وظلّ ينكر ممارساته سراً أن يتوخى الحذر في هذه المرحلة الخطيرة من مراحل الحراك الشعبي.

أما العقول المبصرة المُدركة لطريقة زرع النّظام للألغام وسط الثورات والانتفاضات، فإنّ دورها المحوري الآن ترشيد ردود الفعل الشعبية، والحرص على إبقاء جذوة الحماسة مشتعلة، خاصة مع مكر وخداع وطول نفس الأنظمة العربية.

** رابط المقال الأول: http://alasr.ws/articles/view/21427/


تم غلق التعليقات على هذا الخبر