آخر الأخبار

لم يحصن نفسه شعبيا: نظام الأردن، بشكله الحاليَ، غير قادر على مواجهة الضغوط في قضايا القدس واللاجئين والفدرالية

2019-3-24 | محمد العودات لم يحصن نفسه شعبيا: نظام الأردن، بشكله الحاليَ، غير قادر على مواجهة الضغوط في قضايا القدس واللاجئين والفدرالية

بقلم: محمد العودات / كاتب وسياسي أردني

من مدينة الزرقاء ثاني أكبر مدينة من حيث الكثافة السكانية في الأردن بعد العاصمة عمان وإربد، تلك المدينة التي توصف بمدينة العسكر والتجمع الأردني من أصول فلسطينية، من هناك قالها الملك عبدالله الثاني إن الأردن يتعرض لضغوط، وإنه يتعرض شخصيا لضغوط، وأوضح أن الأردن لن يخضع لضغوط الخارج وأن القدس خط أحمر.

 السؤال من الذي يضغط على الأردن وعلى الملك؟ وما هي طبيعة هذه الضغوط المتعلقة بالقضية الفلسطينية؟

الحديث يدور عن ملفين يُضغط بهما على الأردن الرسمي وعلى الملك شخصيا: ملف (اللاجئين والفدرالية والكنفدرالية)، وملف الوصاية الهاشمية على الحرم القدسي الشريف.

(1)  ملف اللاجئين والفدرالية والكنفدرالية:

لا شك في أن ملف اللاجئين يتشابك بشكل كبير مع ملف الفدرالية والكنفدرالية، الذي يُطرح بين الفينة والأخرى، على أنه حل للقضية الفلسطينية على حساب الدولة الأردنية.

بعد هزيمة يونيو عام 1967 وخروج القوات الأردنية من الضفة الغربية التي كانت تحت سيادتها بموجب وحدة عام 1950، بدأت الأمور تتعقد وتطفو على السطح بشكل ملح، اعترفت إسرائيل بالوحدة بين الضفتين ضمنيا واستخدمت سياسة الجسور المفتوحة، فعمدت وزارة الداخلية الأردنية، بقيادة أحمد عبيدات في عام 1983، للتعامل مع الواقع القائم باستحداث نظام البطاقات الملونة، فتم إعادة صياغة أوضاع المقيمين في الأردن من أبناء فلسطين على النحو التالي:

- حملة جواز سفر ورقم وطني أردني ليكون الشخص أردنيا كامل المواطنة، ويتمتع بكافة الحقوق السياسية، وهم من لجأوا إلى الأردن بعد حرب 1948، وتقدر أعدادهم غير الرسمية الحالية بين مليون ومائة ألف ومليون وتسعمائة ألف.

- حملة البطاقات الصفراء، وهم من فلسطينيي الضفة الغربية المقيمون في الأردن، ولديهم رقم وطني أردني وتصريح لمَ شمل أو حق إقامة في الضفة الغربية بموجب إحصاء إسرائيل بعد حرب 1967، يستخدمون البطاقة الصفراء عند سفرهم بين الضفة الغربية والأردن ويتمتعون بكافة حقوق المواطنة والحقوق السياسية وتقدر أعدادهم غير الرسمية بين 300 ألف إلى 800 ألف.

- حملة البطاقات الخضراء من أبناء قطاع غزة والضفة الغربية، ولا يحملون الرقم الوطني ولا يتمتعون بأي من الحقوق السياسية وتقدر أعدادهم غير الرسمية بين 300 ألف و700 ألف، بعضهم يقيم إقامة عمل أو إقامة دراسة أو إقامة زيارة، إضافة إلى بعض الفلسطينيين المقيمين في الأردن بشكل غير شرعي، وهؤلاء لا يمكن تقدير أعدادهم.

- حملة الجوازات الدائمة من اللاجئين الفلسطينيين الذين لا يحملون أي من البطاقات الصفراء أو الخضراء والمتمتعون بكافة الحقوق السياسية، هؤلاء لا يوجد أي خلاف حولهم في النظام الأردني، إلا أن الضغوط تمارس من أجل توطين حملة البطاقات الصفراء وإنهاء حالة صفتهم مواطنين لدى السلطة الفلسطينية، كما إن الضغوط تمارس على الأردن من توطين حملة البطاقات الخضراء وتحويلهم إلى مواطنين أردنيين وتوطين كل الفلسطينيين المقيمين بالأردن إقامة غير شرعية.

النظام الأردني يرفض التوطين، كما يرفض الذهاب للنظام لفدرالي أو الكنفدرالي مع الضفة الغربية وغزة، قبل حل القضية الفلسطينية والاعتراف بالدولة الفلسطينية، إذ ينادي الكيان الصهيوني الرسمي إلى تكوين اتحاد فدرالي بين الأردن والضفة الغربية وغزة، وتعتبر أوساط إسرائيلية إعلامية أن الاتحاد الفدرالي هو الخيار الأقل سوءا للأردن، وأنه البديل عن فكرة الوطن البديل التي يرفضها الأردن رسميا وشعبيا.

وتحرص إسرائيل على الفدرالية والكنفيدرالية لأنها بذلك تتخلص بذلك من فكرة الدولة الفلسطينية واستحقاقات وقف الاستيطان واستبدال جبل الجليل ببعض المستوطنات الأقل كثافة سكانية، والأهم من ذلك كله التخلص من القنبلة السكانية الفلسطينية التي تهدد الوجود الصهيوني، والتي أشارت آخر إحصاءات إلى أن الفلسطينيين في الضفة وغزة يشكلون تقريبا خمسة ملايين نسمة، وهي كتلة سكانية تتضاعف بشكل كبير، كما يحرص الكيان الصهيوني على فكرة إقامة اتحاد فدرالي بين الأراضي الفلسطينية والأردن، لأنه يرى في ذلك تخلصا من العبء الأمني وإلقائه على الأردن، وخصوصا ضبط الحدود التي سيجري ترسيمها، ويتخفف من عبء مواجهة المقاومة الفلسطينية المسلحة في الضفة وغزة، إذ تصبح تحت الوصاية الأردنية الرسمية، والتي سوف تتكفل بتفكيك المنظمات المسلحة للفصائل الفلسطينية بصفتها أصبحت إقليما تابعا للسيادة الأردنية.

الأردن الرسمي يرى أن الذهاب إلى الاتحاد الفدرالي سوف يدخل الأردن في أزمات متعددة، أولها الأزمة الأمنية، ويُحوَل المشاكل التي تواجهها إسرائيل إلى عبء أردني، كما يمكن أن يفجر أزمة داخلية أردنية،  إذ إن مثل هذا الاتحاد سوف يبدل التشكيلة الديمغرافية للسكان الأصليين (القبائل الأردنية)، وأن ما يمكن قبوله في المستقبل هو الاتحاد الكنفدرالي بين الأردن بصفتها دولة مستقلة مع فلسطين بصفتها دولة معترف بها دوليا ومستقلة بعد العمل بخيار حل الدولتين، ويمكن بعد ذلك أن يتطور هذا الاتحاد الكنفدرالي إلى اتحاد فدرالي في المستقبل، إن جرى التوافق على ذلك بين الجانبين، وكانت الأسباب الموجبة للاتحاد الفدرالي قائمة ويمكن نجاحها بين الشعبين.

(2) ملف الوصاية الهاشمية على القدس: 

في عام 2013 وُقعت اتفاقية بين الملك الأردني والرئيس الفلسطيني، ووُردت ضمن نصوص مكونة من مقدمة وثلاثة بنود اتفاقية، حُصر موضوعها ومحل التعاقد فيها بالمقدسات الدينية الواقعة على مساحة 144 ألف متر مربع، وجاءت، كما ورد في نصوصها، لتثبيت ما تضمنه قرار فك الارتباط الصادر عام 1988 بين الضفتين، مع بقاء حق الأردن في رعاية المقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف.

حق الوصاية الهاشمية على المقدسات الدينية في القدس كان قد نُص عليه بموجب اتفاقية وادي عربة، والذي وقعت في 26 أكتوبر بين الأردن وإسرائيل في عام 1994، وتضمنت هذه الاتفاقية بنداً ينص على الدور الأردني في القدس، حيث جاء في البند الثاني من المادة التاسعة من المعاهدة: "تحترم إسرائيل الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستعطي إسرائيل أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن".

وتقوم وزارة الأوقاف الأردنية بتشغيل ألف موظف لحماية ورعاية الحرم القدسي الشريف، كما يقوم النظام الأردني بجميع أعمال الترميم والصيانة اللازمة للحرم القدسي الشريف، ويعتبر النظام الأردني وصايته على المسجد الأقصى شرعية دينية وشرف ممنوح للعائلة الهاشمية التي تحكم الأردن، وأن هذه الشرعية الدينية تعزز شرعيته السياسية.

الأردن الرسمي يشعر أن هناك توجها لدى بعض الدول العربية بضغط أمريكي لمحاول إنهاء الوصاية الهاشمية على الحرم القدسي الشريف والمقدسات الدينية في القدس، وتم التلميح بأكثر من مرة في اجتماعات عربية مختلفة على هذا.

(3) كيف يمكن للأردن الرسمي أن يواجه تلك الضغوط؟

يبدو أن جميع الضغوط التي تمارس على الأردن بخصوص اللاجئين والمقدسات الدينية في مدينة القدس  من خلال الضغط على العصب الاقتصادي الملتهب للأردن، والذي نتج عنه انفجارات شعبية في رمضان من العام الفائت، أدت إلى رحيل حكومة الملقي وقدوم حكومة رئيس الوزراء الحاليَ، عمر الرزاز، لا تزال كالنار تنفخ تحت الرماد.

ولم يحدد الملك كيف يمكن أن يواجه هذه الضغوط، وكل ما قاله إن الأردن وإنه شخصيا يتعرض لضغوط من أجل القدس وفلسطين، وإنه يرفض هذه الضغوط، وإن القدس خط أحمر، والشعب كله معه في مواجهة هذه الضغوط.

يرى البعض أن الأردن والنظام، بشكله الحاليَ، غير قادر على مواجهة هذه الضغوط الثنائية (داخلية  لبواعث اقتصادية، وخارجية تتعلق بصفقة القرن)، وأن النظام إذا كان يريد مواجهة هذه الضغوط عليه، فعليا، فعليه إدارة المرحلة بما يرفع سيف الضغوط من يد القوى الخارجية، وذلك بالتخلص من الضغوط الداخلية بإعادة السلطة الشعب إلى الشعب وإعلان الأردن ملكية دستورية وجعل الشعب هو صاحب السلطة في اختيار حكومته من أجل حل مشاكله الداخلية، كما إن مثل هذه الخطوة تجعل النظام أكثر صلابة في مواجهة هذه الضغوط الخارجية من خلال جعل القرارات السياسية الخارجية مدعومة بإرادة الشعب، وعلى الشعب أن يتحمل مسؤولياته في مواجهة هذه الضغوط، وبذلك يتخلص الأردن من الضغوط الداخلية بنقل كرة النار الاقتصادية الملتهبة لحضن الشعب ليتدبر أمرها بنفسه من خلال حكومة منتخبة، ويضع المجتمع الدولي أمام حكومة منتخبة وملكية دستورية مُحصنة شعبيا.

والسؤال الأهم الآن: هل سيُفكر الأردن بالطريقة التقليدية في مواجهة الضغوط، أم سيعمد إلى التفكير غير النمطي سياسيا، ويبدل قواعد اللعبة ويقلب الطاولة على الجميع داخليا وخارجيا، ويحصن الجبهة الداخلية والخارجية بإرادة الشعب ودرع الديمقراطية؟

من يعرف طبيعة البطانة السياسية الملتفة حول العرش، يعلم أن الذهاب إلى خيار التحصن بإرادة الشعب داخليا وخارجيا غير واردة لاعتبارات مختلفة، أهمها نفوذ ومصالح بطانة الحكم التي سوف تتأثر بشكل مباشر من أيَ تحول ديمقراطي.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر