المعركة الجديدة في سوريا: لا أحد يريد مساعدة بشار الأسد في إعادة بناء ما دمره

2019-3-21 | خدمة العصر المعركة الجديدة في سوريا: لا أحد يريد مساعدة بشار الأسد في إعادة بناء ما دمره

ما عادت سوريا المدمرة إنسانيا واقتصاديا معروفة، كما كتبت صحيفة "القدس العربي"، اختفت أهم ملامحها ودُمرت أكثر حواضرها. وبشار الأسد، الديكتاتور الذي ثار ضده أكثر الشعب، لا يزال قابعا في قصره. ثلث مبانيها ومنازلها دُمَرت أو تضررت، لتختفي سوريا التي نعرف. وكل الأرقام التي قُدَمت، على ضخامتها وهولها، لا تعكس الصورة الحقيقية والكاملة للكارثة. ولأن الثورة فشلت، فإن الديكتاتور بشار الأسد الذي ثار عليه جزء كبير من السكان، لا يزال هناك. لقد عمل نظامه على توطيد معسكر الموالين من حوله، بالاعتماد على الجيش الذي نجا من الانهيار، خلافًا لتوقعات عديدة. وهنا، يتحدث بعض الخبراء عن القوة التي يجري إعادة هيكلتها، تحت النفوذ الروسي والإيراني، بعد أن فقد الجيش نصف قوته البشرية، لكن قيادته صمدت، مما سمح بظهور نظام عسكري وأمني جديد، لا يزال في قلب اللعبة. كما زاد تأثير المجتمع العلوي، عشيرة الأسد، في التسلسل الهرمي للسلطة.

لقد دُمرت المعارضة، وسقوط حلب في ديسمبر 2016 أجهض حلم الثورة الشعبية بالإطاحة بنظام الأسد. وأصبحت مدينة غازي عنتاب التركية على الجانب الآخر من الحدود، عاصمة المعارضة.

ونجاة نظام بشار الأسد ليست بسبب قدراته الإستراتيجية أو قاعدته السياسية. إذ يُدين بخلاصه، في المقام الأول، إلى القوات الجوية الروسية، التي كان تدخلها في أواخر صيف عام 2015، حاسما، بدعم من القوات الإيرانية على الأرض. وتحت طوفان من القنابل، تخلت فصائل الثورة عن أكثر مناطقها. ومن الواضح، اليوم، أن موسكو وطهران وأنقرة، إلى حد ما، هم أسياد اللعبة.

وقد ركزت الولايات المتحدة وأوروبا، من جانبهما، في تدخلهما على مكافحة "تنظيم الدولة"، وغضوا الطرف عن نظام الكيماوي، ومع أنهم حققوا نجاحا عسكريا ضد "خلافة داعش"، إلا أن معركة أخرى يمكن أن تطفو على السطح، في أي وقت، وبشكل آخر.

وهنا، يتوقع كثير من المراقبين أن عملية إعادة بناء البلاد ستكون المعركة الجديدة في سوريا، وكما تساءلت صحيفة "لوموند" الفرنسية في افتتاحيتها: "كيف يمكن أن نتصور إعادة الإعمار في ظل هذه الظروف؟"، إذ لن تقوم موسكو ولا طهران بإعادة بناء ما دُمر. ثم إن عدم وجود بديل سياسي لا يشجع الغربيين على الدفع لدعم الأسد ولا اللاجئين للعودة.

وفي هذا السياق، رأى المحرر في مجلة "ذي أتلانتيك"، كريشناديف كالامور، أن "أنصار بشار الأسد في موسكو لا يستطيعون دفع تكاليف إعادة الإعمار، وخصومه في الغرب قادرون، ولكن لا يرغبون في ذلك". إذ إن روسيا، التي تدخلت في الصراع في عام 2015 وتحرص على الحفاظ على نفوذها الإقليمي الجديد، لا تستطيع تحمل تكلفة إعادة الإعمار. فاقتصادها في حالة يُرثى لها، ويزداد سوءًا بسبب العقوبات التي فرضت عقب غزوها لشبه جزيرة القرم الأوكرانية في عام 2014 وتدخلها في الانتخابات الأمريكية لعام 2016 وانخفاض أسعار النفط. ومع هذا، حاولت موسكو، دون جدوى، دفع المجتمع الدولي لتحمل التكاليف والعبء المالي الضخم لعملية إعادة البناء. ولكن الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون رفضوا بشدة تحمل عبء إعادة الإعمار في غياب تغييرات سياسية ذات معنى. وتحدثوا أنه "لن يكون هناك إعادة بناء من دون انتقال سياسي"، وهذا يترك 18 مليون شخص يواجهون مستقبلاً غامضاً.

من الناحية النظرية، يمكن أن تؤدي جهود إعادة الإعمار الناجحة إلى عودة ملايين النازحين السوريين إلى ديارهم. ولكن، وفقا لتقديرات مراقبين: "طالما بقيت أجزاء من البلاد طاردة للحياة، فمن المحتمل أن تزداد أزمة اللاجئين في أوروبا في السنوات الأخيرة سوءًا، مما قد يعرض أجيالا أخرى من السوريين للعيش في مخيمات اللاجئين تحت رحمة البلدان المضيفة، وفي كثير من الأحيان معادية".

وعلى هذا، يبقى نظام الأسد العقبة الرئيسية أمام إعادة تأهيل سوريا، فلا يملك "لا المال ولا القدرة الإدارية والسياسية على بناء البلاد"، كما أوضح دبلوماسي غربي. ولعل الأخطر من كل هذا، وفقا لتقديرات بعض المراقبين، أن ما يواجه إعادة الإعمار من مآزق لن يؤدي إلا إلى توسع التصدعات القائمة، وهو ما ينغَص الوضع على المستثمرين في الحرب.

فليس ثمة ما يوحي بأن الوضع حُسم والحرب انتهت ونظام الأسد انتصر، فالدمار والخراب يعمَان البلد، وحتى الموالين للنظام، وفي معاقله، ضاقوا ذرعا بالوضع الكارثي، فلم يجنوا من ثمار هذا "النصر" الذي يتحدث عنه نظامهم إلا المرارة وضنك العيش، وربما أظهروا بعض التململ والاستياء علانيَة، وما عاد هذا يخفى.

ربما تبدو عملية إعادة البناء أعقد من الحرب نفسها وحسمها عسكريا، فروسيا وإيران اللتان صنعتا للنظام "الانتصار العسكري"، ليستا قادرتين ولا راغبتين في صرف دولار واحد على إعادة البناء، وكل تركيزهم الآن على جني مكاسب تدخلهم العسكري لإنقاذ النظام وليس بناء البلد الذي دمروه. لكن حتى في هذا قد لا يتحقق لهم كثير مما يتوقعوه، لأنهم قد لا يقدرون على مغالبة الدمار ومكابدة الصعاب.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر