آخر الأخبار

"تارَنت" ينتمي إلى "تيار عريض" في الغرب وليس إلى جماعة هامشية: بيان "الإرهاب الأبيض"

2019-3-20 |

بقلم: عامر محسن (*) / كاتب في صحيفة "الأخبار" اللبنانية

"إلى الأتراك سوف نأتي من أجل القسطنطينية، سوف ندمّر كل مسجدٍ ومئذنةٍ في المدينة. سوف تتحرّر كنيسة القديسة صوفيا من المآذن وستعود القسطنطينية ملكيّةً مسيحيّةً من جديد".

"سيتمّ نسياني بسرعة. هذا لا يزعجني. أنا، في نهاية الأمر، إنسانٌ تهمّه الخصوصية، وانطوائي عموماً. ولكنّ الهزات الارتدادية التي ستولّدها أفعالي سوف تفعل فعلها لسنواتٍ قادمة، وتوجّه الخطاب السياسي والاجتماعي، وتخلق مناخ الخوف والتغيير اللازم"..

"عليك أن تتوقّع الموت، أن تتوقّع النضال، أن تتوقّع خسارةً لن تنساها أبداً. لا تتوقّع أن تنجو، الشيء الوحيد الذي يجب أن تتوقّعه هو حربٌ حقيقية، وأن تموت ميتة جنديّ حقيقيّ".

من "مانيفستو" برنتون تارَنت

حين تقرأ «البيان» الذي كتبه القاتل الأوسترالي برنتون تارَنت، قبيل ارتكاب جريمته (وقد أرسله قبل دقائق من بدء المَقتلة إلى رئيسة وزراء نيوزيلندا ومسؤولين حكوميين ووسائل إعلامية)، فإنّ الأمر الأكثر دلالة هو ليس الحجج التي يقدّمها القاتل في حدّ ذاتها، أو محاولة تحليل دوافعه وشخصيته وما حوّله إلى عنصريّ عنيف. الأكثر أهمية في النصّ هو أنّه «يعكس» ثقافة القاتل ما هي مصادرها؟ أين اكتسبها؟ كيف بنى آراءه السياسية، وبرفقة من؟ وهنا، تحديداً، الجانب المقلق فعلاً في جريمة برنتون تارَنت.

ما تكتشفه هو أنّ تارَنت لا يشبه نموذج المتطرّف العنيف الذي يفاجئ العالم بإجرامه. هو ليس متطرّفاً معزولاً «معادياً للمجتمع»، بنى ثقافته وحيداً في غرفته وتبنّى آراء الهامشيين ونظريات المؤامرة، حتّى أصبح مهووساً يرى في العالم ما لا نراه. المشكلة هي أنّ تارَنت ينتمي، في الحقيقة، إلى «تيّار عريض» وليس إلى جماعة هامشيّة. كلّ فكرة في بيانه منتشرةٌ بين جماهير اليمين. هو يعدّد، إضافةً إلى رموز العنصريين البيض مثل اندرس بريفيك، مثقّفين وإعلاميين بالغي الانتشار في صفوف اليمين أثّروا به. حتى لغة تارَنت و«الرموز» و«النكات» التي استخدمها في بيانه العنصري تحيل إلى ثقافة منتديات الإنترنت اليمينية الواسعة الانتشار (والمجرم قد أوقع بعض النجوم في حرجٍ، قد يكون مقصوداً من جانبه، كإرساله تحيّة إلى «بيو دي باي»، وهو شخصية على يوتيوب يتابعها عشرات الملايين ويركّز على نقاش ألعاب الكمبيوتر، ويعتبر البعض أنه شعبيّ بين جمهور «اليمين الجديد»).

لغة «البيان» وأفكاره ركيكة، وهو مليء بالأخطاء النحويّة، ولكن هذا سيزيد من انتشاره وتأثيره في أوساط اليمين الغربي، إذ إنّه مكتوبٌ بأسلوب بسيط، شخصيّ، يشبه إلى حدٍّ بعيد سلسلة «بوستات» من تلك التي يكتبونها ويقرأونها على الإنترنت. بهذا المعنى، لم يكن برنتون تارَنت واهماً أو كاذباً حين زعم في بيانه أنّه ينتمي إلى جماعة تُقاسمه معتقداته الأساسية وفكرة «القومية الإثنية البيضاء» وأنها «تعدّ بالملايين» (أتابع، منذ ما بعد 11 أيلول، تطوّر هذه الحركات ومواقعها على الإنترنت وأدبياتها، وذلك بدأ لأسبابٍ عمليّةٍ بحت كنت أقطن في الغرب، ولم أكن أريد أن تفاجئني ــــ وأنا غافلٌ في أمان الله ــــ فرق موتٍ نازيّة تجوب الشوارع).

*حرب الديموغرافيا:

من البداية، عنوان «البيان» («الإحلال العظيم») يحيل إلى نظريّة شهيرة في صفوف اليمين الأوروبّي، وهي لم تظلّ ــــ في بلدها الأصلي، فرنسا ــــ محصورةً في حلقات هامشية أو أكاديمية، بل تبنّاها ــــ بدرجاتٍ مختلفة ــــ مثقّفون شهيرون، مثل أريك زمّور، وأصبحت لازمةً في كلام اليمين عن المهاجرين في الإعلام وعلى المنتديات. هذه الفكرة وجدت حتى تجسيداً أدبيّاً، في رواية ويلبيك الشهيرة «خضوع» (كتبت عنها مراجعةً في الماضي)، ومنطق الرواية فعلياً يماثل الى منطق المجرم في بيانه «الولادات، الولادات، الولادات». الفكرة هنا بسيطة، وهي أنّ منسوب الولادات لدى المهاجرين «غير البيض» هو أعلى منه لدى «البيض» في المجتمعات الغربيّة، والبيض الأوروبيون لا يتوالدون كفايةً لتعويض كتلتهم السكّانية، فهم إذاً سيتناقصون، فيما يتزايد المهاجرون (السمر والمسلمون) في وسطهم حتى يصيروا أقليّة وتنتهي «الحضارة الأوروبية».

أيّ باحثٍ في الديموغرافيا سيشرح لك أنّ الأمور لا تحدث هكذا، وأنّك لا يمكنك أن تمسك بأرقام الولادات الحالية وتفترض ثباتها لقرنٍ إلى الأمام، وأنّ السعي إلى «الثبات الديموغرافي» في أي مجتمعٍ، أصلاً، هو هدف واهم. لكنّ هذه الفرضيّة أصبحت «صيحة الحرب» عند اليمين العنصريّ، والمسألة عند تارَنت، والكثيرين غيره، واضحة. فالمهاجرون وأبناؤهم (تحديداً المسلمون) هم «محتلّون» بمجرّد وجودهم البيولوجي واختلافهم العرقي، وهم «أعداء» لأنّهم يتوالدون، والحرب ضدّهم هي حربٌ من أجل البقاء، تستدعي كلّ الوسائل وأعنفها. كلّ مغربيٍّ تراه في فرنسا وكلّ تجمّعٍ للأتراك في ألمانيا ينظر إليه العنصري، من هنا، على أنّه تحقّقٌ للنبوءة، كلّ طفلٍ أسمر في الغرب هو دليلٌ على هذا «الغزو الديموغرافي»، وأيّ رمزٍ لثقافةٍ غريبة هو من علامات «الاحتلال». ولحظة «التحوّل» الشخصية في حياة القاتل، بزعمه، كانت حين زار متجراً في بلدةٍ فرنسيّة، فوجد عدد المهاجرين فيه أكبر من عدد الفرنسيين البيض، ليفرّ من المكان ساخطاً، ثمّ ينهار بعد ذلك باكياً أمام مقبرةٍ للجنود الذين قضوا خلال الحرب العالمية، لأن «تضحياتهم» لم تمنع «الغزو الإسلامي» الذي تعرّضت له القارّة بعد الحرب.

حتّى هجوم تارَنت على النخب الرأسماليّة الغربيّة، كونها سهّلت تسرّب المهاجرين ليكونوا عمالة رخيصة في السوق، لا يبعد إلّا خطوةً عن تنظيرات ستيف بانون وعقيدة «اليمين الجديد» الداعم لترامب في أميركا (الفارق هو أنّ تارَنت يدعو إلى قتل الزعماء الغربيين «الخونة»، فيما بانون يريد الانقلاب عليهم وإزاحتهم عبر الانتخابات).

أفكار تارَنت عن الإسلام والمسيحية و«القومية الإثنية»، وتعريفه لـ«الحضارة الأوروبية»، هي آراء عليها توافقٌ واسع في صفوف اليمين الغربي الصاعد، وليست «متطرّفة ومعزولة» (مثلاً، عدم التركيز على المسيحية بالمعنى الديني هو نقطةٌ تكتيكيّة تتشارك فيها أغلب حركات اليمين العنصري؛ فالعقيدة المسيحيّة تضمّ أكثريةٍ من «غير البيض»، كما إن الغربيين البيض مقسمون إلى مذاهب وكنائس مختلفة، فالخطاب العام لدى «اليمين الجديد» يعتمد المسيحية كرمزٍ تاريخي و«قومي» للأوروبيين، ولكن من خارج إطار العقيدة الروحية).

لا تختلف منطلقات المجرم الأوسترالي إذاً، في الكثير من جوانبها، عن منطلقات ستيف بانون أو مارين لوبان -وجمهورهما الواسع- الاختلاف هو أنّ تارَنت (وأمثاله) يؤمن باستحالة «الطريق الديموقراطي» حلّاً لـ«المسألة العرقيّة»، ويبني على هذه الخلاصة (يكتب القاتل في بيانه أنّ انتخاب ماكرون رئيساً لفرنسا كان الحدث الذي أقنعه بذلك).

(*) نشرنا الفقرات الأولى من المقال وليس كله

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر