أوراق عصابة الحكم في الجزائر محدودة: المراهنة على الدعم الخارجي ودفع الجيش لإعلان الطوارئ وتفكيك الحراك

2019-3-19 | خالد حسن أوراق عصابة الحكم في الجزائر محدودة: المراهنة على الدعم الخارجي ودفع الجيش لإعلان الطوارئ وتفكيك الحراك

في نهاية أربعة أسابيع من التعبئة الشعبية المعارضة لتمديد حكم آل بوتقليقة والمطالبة برحيل العصابة المتسلطة، تبدو مسألة أو عملية الانتقال السياسي هي جوهر النقاش.

ولم تقدم السلطة الحاكمة حتى الآن أي تنازلات، وتعمل على امتصاص الغضب الشعبي وكسر الحراك وتفكيكه من داخله بمنطق استخباري، والشارع لا يزال متمسكا بمطلب رحيل العصابة، ويقدمها الثعلب الماكر والعجوز الفاشل، الإبراهيمي، على أنها طرف في تسيير وإدارة المرحلة الانتقالية، وهذا استخفاف بالشعب وضحك على العقول.

وفي الواقع، ليس في الدستور الحالي ما يسمح بتأجيل الانتخابات الرئاسية أو تمديد الولاية. وسيكون من السذاجة التمسك به بحثا عن تسوية لصراع العصابة الحاكمة مع الشارع. والمجموعة التي تدير المشهد من وراء ستار مُدركة أن أكثر أوراقها احترقت، لذا، فهي تضغط على قيادة أركان الجيش لدفعه لإعلان حالة الطوارئ لإنهاء الحراك الشعبي، وبعبارة أكثر دقة: توريط مؤسسة الجيش في الصراع مع الحراك الشعبي. أما التدخل العسكري المباشر، فهذا يدركون أنه خيار فاشل ومكلف ولن يجدوا من يتحمس له، فأكثر الجيش غير راغب في مواجهة ضد الشعب المنتفض. فعسكر الجزائر لا يتكون من كتلة متراصة متجانسة، وإنما يضم تيارات متباينة، والغالب عليه أنه ليس متحمسا لأي صدام مع الشارع لمصلحة عصابة حاكمة ثار عليها الشارع ورفض أي تفاوض معها.

وأمام عصابة الحكم في الجزائر خياران في محاولتها لإخماد الحراك الشعبي: دفع قيادة الأركان لإعلان حالة الطوارئ والرهان على دعم عواصم القوى الكبرى (باريس وواشنكن وموسكو)، مع العمل على تفكيك الحراك من الداخل بالاختراق والتقسيم، وقد فشلت، حتى الآن، في الثانية.

لهذا، فإن التهويل من أمر الصراعات الإيديولوجية والتأثير الدولي، والمبالغة في تقدير المخاطر، قد يحجب الرؤية الصحيحة لحقيقة الوضع ويزج بالحراك في متاهات وعراك، يلهي ويصرف الشارع عن قضيته الأساسية، ومن سياسة الإلهاء، النقاش حول الجمهورية الثانية، لا معنى له الآن، منضر بالقضية المركزية: رحيل العصابة، وهو من المعارك الغلط في الوقت الخاطئ، فلم يخرج الملايين من الشعب ليهدموا ما أسسه الأجداد وإنما ليعيدوا بناء ما حطمه وخربه الأنذال وأراذل القوم والعملاء.

والعصابة الحاكمة لا تملك من الأوراق إلا القليل والسلطة تتفكك وفاقدة لأي شرعية، والحراك يتقدم يزيد ولا ينقص، وأمامه تحديات، وهو الوحيد الذي يملك، الآن، الشرعية السياسية في الجزائر، وعصابة الحكم أدركت أن خياراتها محدودة، ولعل أهم وأكبر مكسب حققه الحراك الشعبي الرائع أنه تحول إلى قوة ضغط يُحسب لها ألف حساب.

وهذا الحراك الشعبي الرائع أوراقه مُعلنة، ليس لديه ما يخفيه، لا يحب الهمس والدندنة في الآذان سرا، ولا يحب التناجي الخفيَ، ويكره من يدور باللائمة من مجلس إلى مجلس، غير معالن ولا مصرَح، ويتوجس من كل ما هو خفي غير معلن. لم يحسم قضية القيادة بعدُ، من رواده من يرى في غياب قيادة تنسيقية للحراك "كابوسا مخيفا"، ومنهم من يرى فيها فخا واستعجالا. قضاياه تُناقش في العلن.

ولن يحسم كل القضايا المُثارة الآن، وليس مطلوبا من الحراك الشعبي أن يفصل فيها، فهذا من لزوم ما لا يلزم، وبعض التخوفات والتقديرات عن سيطرة أو انقضاض فريق إيديولوجي معين على الحراك وما بعده، مبالغ فيها. تمكين الشعب من انتخاب رئيسه وحكومته هذا أهم إنجاز خرج الجزائريون لتحقيقه، لذا يميل كثيرون إلى تأجيل وإرجاء معارك السياسة والفكر إلى ما بعد رحيل العصابة. إذ تريد دوائر متربصة إقحام الحراك في صراعات ليس هذا أوانها، وتستدرجه إلى فخاخ وكمائن تفجيرا له من داخله، وهذا لتُشغل رواده عن أم معاركهم: رحيل العصابة، فتتشعَب بهم المسالك والسبل.

ووعي الحراك الشعبي الرائع، حتى الآن، مُبشَر، أحبط كل المحاولات لاختراقه وتفكيكه من الداخل، حتى الآن، وتصدى للنعرات الجهوية والعنصرية وإشغاله بمعارك قديمة يُعاد بعثها وتحريكها، وليست هذه وتلك إلا ألغاما زرعتها الدوائر المتربصة ابتغاء التقسيم والتفكيك، وهذه إحدى أسلحتها الفتاكة.

واختيار قيادة تنسيقية للحراك الشعبي، الآن، قد يكون فخا، خاصة مع فقدان الثقة ودروس التجارب المريرة السابقة. ربما في فترة قادمة، نعم، أما الآن ومع تربص دوائر العداء للحراك ومحاولات تفكيكه من الداخل، فالأولى ترك هذا الأمر سدا لأي محاولة اختراق أو إحداث تصدع. وفي حراك الريف بالمغرب، عبرة لمن يعتبر، فقد راهن المخزن على الوقت، فلم يستعمل قوة مفرطة ولا الاعتقالات ليغري قادة الحراك بالبروز، ثم انتظار الفرصة لقطع الرؤوس وشل الحراك كاملا، فلما ظهروا واستوى عودهم غدر بهم وسجنهم، وأغرقهم في محاكمات طال أمدها.

فالعصابة الحاكمة لن تغادر بسهولة، إلا إذا حُملت على الرحيل حملا، وتستخدم، حاليَا، كل ما في جعبتها من أوراق وهي قليلة، وبعضها احترق، والحراك يبدو مصمما وماض في طريق الضغط والتصعيد ضد العصابة لرحيلها، ويرفض أي تفاوض مع العصابة في ظل عنادها ومكابرتها. 

وما يمكن قولع حتى الآن: الوضع داخل الحكم غامض، والصراعات بين الأجنحة على أشدها، والمعلومات متضاربة، والأنظار موجهة نحو قيادة أركان الجيش للحسم، لكن في أي اتجاه؟ ربما تتضح الأمور قريبا.

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر