بالغ النظام في الإهانة والاستخفاف: قراءة في الدوافع الخفيّة للحراك الشعبي في الجزائر 1/3

2019-3-18 | بالغ النظام في الإهانة والاستخفاف: قراءة في الدوافع الخفيّة للحراك الشعبي في الجزائر 1/3

بقلم: محمد الأمين مقراوي / كاتب جزائري

لم يكن الحراك الشعبي في الجزائر مفاجئا للكثير من المتتبعين؛ حيث لم تتوقف الاحتجاجات في الجزائر خلال العقد الأخير، إذ وصلت الأرقام إلى الآلاف، فعلى سبيل المثال بلغ عدد الاحتجاجات سنة 2015 حوالي 3300 احتجاجا حسب الإحصائيات الرسمية للدرك والشرطة، كما أن الإضرابات التي شهدتها مختلف قطاعات الوظيف العمومي، وما قابلها من استخفاف واستهتار من السلطات الجزائرية؛ جعلت الاحتقان يتزايد، خاصة الطريقة المهينة التي تعاملت بها السلطات ضد احتجاجات الأساتذة الجزائريين، والطريقة الاستعلائية التي عاملتهم بها وزيرة التربية بن غبريط سنة 2018، وهي الوزيرة التي ظل النظام الجزائري برمته يصرّ على حمايتها رغم كل الاستفزازات التي ظلت تمارسها بحق خيرة أبناء الشعب.

وبعد 2016، ازدادت وتيرة الاعتقالات في صفوف المدونين، حيث شنّ النظام حملات شرسة ضد كل من يكتب ضد الرئيس بوتفليقة وحاشيته؛ ليتصدر مشهد استدراج الصحفي الجزائري البريطاني، محمد تامالت المشهد بعد قتله بطريقة بشعة، فهِم منها المدونون في الداخل والخارج أنّ النظام الجزائري يتغوّل مع مرور الأيام، ويسترجع آلياته القمعية بتدرّج.

كل هذه الأحداث التي كانت تحركها أسباب اقتصادية واجتماعية لم تكن كافية لجعل الجزائريين على قلب رجل واحد؛ ضد نظام فاقد للشرعية؛ غير أن أبرز الدوافع التي حركت الشعب الجزائري ضد النظام نفسية في المقام الأول، أهمّها ما يلي:

أوّلا: الشعور بالإهانة والظلم، واستحضار الذاكرة التاريخية للمجتمع الجزائري القهر والجور الذي مارسته فرنسا ضد الأجداد والآباء، حيث استنسخ النظام في السنوات الأخيرة الممارسات نفسها التي استخدمتها فرنسا ضد الجزائريين أيّام الاحتلال، فمشاهد ضرب الأطباء، وسحل الطالبات وطردهن خارج العاصمة، وإهانة المعلمين، ومنع بعض النخب المشهود لها بالصدق والثقافة والكفاءة من العمل أو السفر خارج البلاد، ووضع البعض في إقامة جبرية، بل وتدخل النظام حتّى يمنع عرض بعض الأفلام التاريخية؛ التي لا تخدم التوجهات الفرنسية، وحارب العربية، وروّج للفرنسية، ورفض ترقية الإنجليزية كلغة أجنبية أولى، ورغم البحبوحة المالية التي تمتعت بها الجزائر، إلا أن النظام ظل رافضا رفضا مطلقا فتح مكاتب صرفية وترقية المنحة السياحية، بالإضافة إلى تخلّيه عن حماية مصالح الجزائريين في الخارج، وغير ذلك من الممارسات (مهما اعتقد البعض أنها ممارسات بسيطة إلا أنها غذّت المجتمع بشعور الدونية والاحتقار)، التي جعلت الجزائري يحس أنه يعيش تحت سلطة تشبه في أفعالها الحاميات الفرنسية في الدول الإفريقية التي لا تزال فرنسا تتحكم فيها وفي أدق تفاصيل حياتها.

ثانيا: في الخمس سنوات الأخيرة، صار ظهور الرئيس بوتفليقة مادة دسمة للصحافة العربية والعالمية، حيث أصبح ظهوره مثيرا للسخرية من الجزائر ومن شعبها، وقد كان هذا أحد أقوى الدوافع التي فجّرت الغضب في المجتمع الجزائري، عندما أعلن الحزب الحاكم والموالاة ترشيح رئيس مقعد وشبه ميّت لعهدة خامسة، كانت ستأتي بالانهيار الكبير لو تم تمريرها، فالجزائريون معروفون بحبهم لأرضهم مثل بقية الشعوب العربية والمسلمة؛ إلّا أن الذي تغيّر هو أن الجزائري الذي كان يُرحب به في مختلف دول العالم العربي باعتباره شخصا ينتمي إلى شعب ثوري قدّم ملايين الشهداء للتحرر من الاحتلال الفرنسي، أصبح يرى أن كل من يلتقي بهم في الخارج يسخر من الوضع السياسي للجزائر، ويستهزئ بوضعية رئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة، دون أن ننسى هنا الإشارة إلى اتخاذ صفحات التواصل الاجتماعي العربية ونجومها من شخصية وحالة بوتفليقة مادة للتنكيت والاستهزاء به وبالشعب الجزائري، خاصة مع ظهور مشاهد لم تحدث في تاريخ البشريّة من قبل، وهي التسويق للرئيس من خلال لوحة رسم عليها وجه بوتفليقة، مرشحا لرئاسة البلاد، والذهاب بعيدا في استفزاز الشعب الجزائري من خلال الترويج لرئيس شبح لم يتكلم مع شعبه منذ سبع سنوات.

ثالثا: ظهرت في الجزائر في الخمس سنوات الأخيرة ظاهرة خطيرة، لم يعهدها الجزائريون من قبل، وهي التراشق العرقي والمذهبي؛ بسبب لعب النظام الجزائري على هذا الوتر الحساس، بين العرب والأمازيغ من جهة، وبين المالكية والإباضية في غرداية من جهة أخرى، ومع توجه النظام من خلال سياساته إلى تكريس هذا التراشق، ظهر القلق والتوتر لدى مختلف فئات الشعب الجزائري، وبدأ النّاس يشعرون بجدية التهديدات التي تواجه وحدة البلاد، ولعل التراشق الخطير الذي حدث في شهر يناير بين العرب والأمازيغ كان نذير شؤم كبير، على أن الانهيار والانقسام قادم لو استمر النظام في تلاعبه بالهويّة وإثارة النعرات الجاهلية.

هذه هي أبرز الدوافع النفسية التي أثارت الشعب الجزائري، ويمكن اختصارها في أن الرئيس الذي كان يروج في خطاباته لعبارة: "جزائر العزة والكرامة" كان هو ومحيطه أبرز من حوّل البلاد إلى جزائر المذلّة والمهانة"، في الداخل، ومحل استهزاء وسخرية في الخارج.

أخيرا ينبغي أن نشير هنا إلى أن الخبراء الذين يقدمون التقارير للنظام الجزائري يدركون هذه الحقائق؛ وعليه فإن أهمّ الإجراءات التي سيركز عليها النظام الجزائري، هي الحلول التي يخفف بها من غضب المجتمع الجزائري، وتكسبه المزيد من الوقت لتجاوز صدمة الحراك، وترسخه في مكانه، وهذا ما يفسر لعبة التلاعب بالاستوزار حاليا، وتغيير وجوه صنعها النظام بوجوه أُعدت لهذه الأيام، وهي مقاربة غير ذكية –حاليا-، في ظل تنامي وعي الشارع الجزائري، بفضل انتشار التعلم على مستوى أفقي مترام اجتماعيا.

لكن هذه المقاربة قد تأتي أكلها إذا نجح النظام في إخفاء عمقه الذي يحرك به الحالة السياسية في الجزائر، ليتمكن من اللعب بنفسية الشعب، وإعادة هيكلة حكمه من جديد...(يتبع)

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر