آخر الأخبار

الصحوة الكردية: الوحدة والخيانة ومستقبل المنطقة

2019-3-10 | خدمة العصر الصحوة الكردية: الوحدة والخيانة ومستقبل المنطقة

كتب هنري باركي، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، في مقال نشرته مجلة "فورين آفيرز"، أن دعوة الرئيس ترامب المفاجئة إلى الانسحاب السريع لما يقرب من 2000 أمريكيا من الشمال السوري انتقدها أعضاء في مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية. لكنها جاءت بمثابة صدمة أكبر للشريك الرئيسي للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم "داعش"، وهم الأكراد السوريون. قبل أسابيع من الإعلان، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يهدد باجتياح مناطق في شمال سوريا يسيطر عليها المسلحون الأكراد. والشيء الوحيد الذي منعه كان وجود القوات الأمريكية. وقال الكاتب إن انسحابها ستترك الأكراد معرضين لمخاطر عميقة.

التفاصيل حول الانسحاب الأمريكي من سوريا لا تزال غامضة. ولكن مهما قررت واشنطن في نهاية المطاف، فإن إعلان ترامب يمثل منعطفا قاسيا للأكراد في جميع أنحاء المنطقة. في منتصف عام 2017، كان الأكراد يستمتعون بالنهوض، وكان للأكراد السوريين، المتحالفين مع أمريكا، الحضور المركزي، برا، في هزيمة "داعش".

سيطرت وحدات حماية الشعب (YPG)، وهي ميليشيا كردية، على مساحات شاسعة من الأراضي السورية، وبدا أنها ستصبح لاعباً مهماً في المفاوضات لإنهاء الحرب في البلد.

وبحلول نهاية عام 2018، بدا أن العديد من أحلام الأكراد أصبحت في حالة يُرثى لها. بعد أن صوتت الأغلبية الساحقة من الأكراد العراقيين لمصلحة الاستقلال في استفتاء حكومة إقليم كردستان، قامت الحكومة العراقية، بدعم من إيران وتركيا، بغزو كردستان العراق واحتلال حوالي 40 بالمائة من أراضيها. وبين عشية وضحاها، خسرت حكومة إقليم كردستان حوالي نصف أراضيها، وخسرت الكثير من نفوذها الدولي أيضا.

في سوريا، اجتاحت تركيا بلدة عفرين الخاضعة للسيطرة الكردية في مارس 2018 ، مما أدى إلى تشريد وحدات حماية الشعب ونحو 200 ألف من الأكراد المحليين. ثم، في ديسمبر، أدرك الأكراد السوريون أن حماتهم الأمريكيين قد يتخلون عنهم في وقت قريب.

ومع ذلك، فإن هذه النكسات تكذب اتجاهاً أكبر، وهو اتجاه سيشكل الشرق الأوسط في السنوات القادمة. في جميع أنحاء المنطقة، يكتسب الأكراد ثقتهم بأنفسهم، ويدفعون باتجاه الحقوق التي حرموا منها منذ فترة طويلة. لكن لا تزال هناك عوائق كبيرة أمام الوحدة ، بما في ذلك الانقسامات اللغوية ووجود دولتين قويتين على الأقل، إيران وتركيا، حريصتان على إحباط أي شكل من أشكال النزعة الكردية. ومع ذلك، فقد بدأت الأحداث الأخيرة في عملية بناء الأمة الكردية التي من الصعب على المدى الطويل احتواءها. حتى لو لم يكن هناك كردستان مستقلة واحدة وموحدة، فقد بدأت الصحوة الوطنية الكردية. قد تخشى دول الشرق الأوسط الصحوة الكردية، لكن من غير الممكن وقفها، وفقا لتقديرات الكاتب.

حوالي 30 مليون كردي يعيشون حالياً في كردستان الكبرى، وهي منطقة متصلة تمتد عبر جنوب شرق تركيا، وشمال غرب إيران، وشمال العراق، وشمال شرق سوريا. تفاعلت القبائل الكردية مع الإمبراطوريات العربية والفارسية والتركية على مر القرون، وتعاونت معهم أحيانًا وأحيانًا ثارت ضدهم. وتعود جذور القومية الكردية الحديثة إلى تفكك الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. وقد ضمنت معاهدة لوزان عام 1923 السيادة التركية على ما يمكن أن يكون كردستان مستقلة.

لكن المطالب الكردية بالاستقلال لم تختف. طيلة القرن العشرين، اندلعت الثورات الكردية، التي غالباً ما تدعمها دول متنافسة، في كل بلد تقريباً كان فيه عدد كبير من السكان الأكراد.

قامت تركيا بقمع ثورات التمرد الكردية في أعوام 1925 و1930 و1937. ثم في منتصف الثمانينيات، شن حزب العمال الكردستاني تمردًا مسلحًا في تركيا استمر حتى يومنا هذا. في إيران عام 1946، أنشأ الأكراد بدعم من الاتحاد السوفييتي أول حكومة كردية حقيقية، هي جمهورية ماهاباد المستقلة، والتي استمرت لمدة عام قبل أن تنهار بعد أن سحبت موسكو دعمها. وقد ثار أكراد العراق مرارًا وتكرارًا ضد حكومتهم المركزية. وبدعم من شاه إيران، خاضوا حربين ضد بغداد خلال الستينيات والسبعينيات، إلا أنهم انهزموا في عام 1975 بعد أن أبرم الشاه صفقة مع الرجل العراقي القوي صدام حسين، تاركا الأكراد إلى مصيرهم.

في سوريا، لم تحظر الحكومة المركزية تعليم وتعلم اللغة الكردية فحسب، بل فرضت، أيضا، قيودا على ملكية الأراضي الكردية. وبدءاً من الستينيات، ألغت دمشق جنسية عشرات الآلاف من الأكراد السوريين، مما جعلهم عديمي الجنسية. وفي جميع أنحاء المنطقة، تعرضت المناطق الكردية للإهمال والتهميش، اقتصاديًا.

في مواجهة هذا القمع، نجح الأكراد في الحفاظ على هويتهم وتعزيزها عبر الأجيال. والأكراد يُعاملون كأقلية من قبل حكومات إيران والعراق وسوريا وتركيا. ونظام الدولة الحديثة في الشرق الأوسط، تاريخياً، هو العقبة الرئيسية أمام الطموحات الوطنية الكردية. وقد جادل تقرير استخباراتي عام 1960 صادر عن وكالة المخابرات المركزية أن أكراد إيران والعراق يمتلكون كل المقومات الضرورية للحكم الذاتي: القوة العسكرية والقيادة وإمكانية الدعم المادي من قوة خارجية، الاتحاد السوفييتي.

كان المسار الوحيد الممكن للاستقلال الكردي، في معظم القرن العشرين، يمر عبر فشل الدولة. وفي الواقع، هذا هو بالضبط ما حدث على مدى العقدين الماضيين. إذا كان لدى الأكراد اليوم بصيص أمل في العراق وسوريا، فذلك بسبب انهيار السلطة في بغداد ودمشق. وتحركات الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، في دعمها للأكراد في أعقاب حرب الخليج، وإطاحة صدام عام 2003 واحتلال العراق لاحقاً، وحملاتها لمحاربة "داعش" في سوريا هيأت الظروف لإحياء التطلعات السياسية الكردية.

بدأ الارتباط العسكري والسياسي الأمريكي مع الأكراد بشكل جاد مع حرب الخليج 1990-1991. بعد أن طُرد الجيش العراقي من الكويت، حُوَلت أسلحته إلى الأكراد والشيعة الذين استجابوا لدعوة الرئيس الأمريكي جورج بوش للانتفاضة ضد بغداد.

منح تأسيس حكومة إقليم كردستان جرعة نفسية مهمة للأكراد، ليس في العراق، وفقط، بل في باقي أنحاء المنطقة أيضاً. وأثبت أن الأكراد يمكن أن يحكموا أنفسهم وينتزعوا الاعتراف الدولي. كما بدأت في إعادة تشكيل العلاقات الكردية مع الدول الأخرى. وعلى الرغم من رفض تركيا تقليدياً للمطالب الكردية بالحكم الذاتي، إلا أن الحكومة التركية في عهد أردوغان اختارت عدم مواجهة حكومة إقليم كردستان، واختارت بناء روابط سياسية واقتصادية معها.

لقد وفرت أنقرة شريان حياة اقتصادي لحكومة إقليم كردستان، مما منحها مجال التنفس لتوطيد نفسها في العراق. لبعض الوقت، استفاد أردوغان من الداخل، حيث بدأ الأكراد الأتراك المقربون من رئيس حكومة إقليم كردستان، مسعود بارزاني، التصويت لصالح حزب أردوغان في الانتخابات التركية. وفي عام 2009، أطلق أردوغان عملية سلام محلية مع حزب العمال الكردستاني.

رأى أردوغان في تحالف الولايات المتحدة مع الوحدات الكردية السورية YPG لعبة تغيير للمنطقة. ما كان يخشاه الرئيس التركي أكثر من غيره هو ظهور حكومة إقليم كردستان ثانية، ولكن في سوريا هذه المرة. وقد كانت حكومة إقليم كردستان نفسها نتاج تدخل أمريكي أدى إلى حرب وانهيار السلطة المركزية في بغداد، وبلغت ذروتها في إنشاء نظام فيدرالي في العراق، مع حكومة إقليم كردستان. مع استنزاف سوريا في الحرب، اعتقدت أنقرة أن واشنطن على وشك تكرار ما فعلته في العراق، أي تحويل سوريا إلى دولة فيدرالية يحصل فيها الأكراد على الحق في حكم أنفسهم. لم يوافق أردوغان على الترتيبات الفيدرالية في دولتين مجاورتين، ناهيك عن اتفاق كردستاني سوري يرتبط ارتباطا وثيقا بحزب العمال الكردستاني.

في عام 2014، تخلى أردوغان عن مفاوضاته مع حزب العمال الكردستاني وبدأ سياسة صراع مع كل من الأكراد الأتراك والسوريين. وسعى إلى نزع الشرعية عن النشاط السياسي الكردي من خلال ربطه بحزب العمال الكردستاني، وإلقاء القبض على أعداد كبيرة من الناشطين والسياسيين الأكراد. واشنطن، عن غير قصد وفي خدمة احتياجاتها الإستراتيجية، أجَجت القومية الكردية.

ولكن إذا أعاقت الولايات المتحدة العلاقات التركية الكردية، فإن السياسة الأمريكية في العراق وسوريا أكسبت الأكراد درجة غير مسبوقة من الشرعية الدولية. وتمكن الأكراد السوريون، الذين تجاهلهم العالم من قبل، من رفع مكانتهم العالمية بفضل مشاركتهم الكبيرة في القتال ضد "داعش".

وقد قام الأكراد بالتعبئة في القرن العشرين لكسب الاستقلال الثقافي وبعض الحكم الذاتي من الحكومات المركزية. منذ ما يقرب من 100 عام، شكلت التمرد والمقاومة خلفية الحياة الكردية العادية. والآن، يتغير هذا الوضع، حيث اكتسب الأكراد خبرة الحكم، ليس في حكومة إقليم كردستان، وفقط، ولكن أيضًا في العديد من البلدات في سوريا وتركيا. وهذا أوجد حالة التحام عابرة للحدود. وامتد ازدهار الأكراد حتى إلى إيران وتركيا، حيث يتمتع الأكراد هناك ببعض القوة نسبيا.

ورأى الكاتب أن الأكراد اكتسبوا كل صفات الأمة، باستثناء السيادة. وتجسدت وحدتهم الجديدة في ظهور الوحدات العسكرية الكردية. قاتل الأكراد الأتراك مع وحدات حماية الشعب في سوريا، تماماً كما دُمج الأكراد السوريين والتركيين في القوات المسلحة لحكومة إقليم كردستان. وتطوع الأكراد في الشتات للقتال، ولا سيَما مع وحدات حماية الشعب. ويقود حزب العمال الكردستاني القوات المسلحة في العراق وتركيا وسوريا، وفي عام 2004 أنشأ فرعًا في إيران.

وقد تم تسريع تآكل الحدود الكردية، إلى حد كبير، من خلال تقدم "داعش" في العراق وسوريا في صيف عام 2014، مما عرّض الأكراد للخطر في كلا البلدين وعزز التضامن العرقي. في مواجهة خطر وجودي حقيقي، وضع الأكراد سياساتهم المتباينة جانبا وظهروا كتلة واحدة. وكلما فعلوا ذلك، بدأوا في إعادة صياغة سياسات منطقة "الشرق الأوسط".

في كل من العراق وسوريا، توفر هشاشة الحكومات المركزية للأكراد فرصة للحكم الذاتي، وهذا يبدو أكثر وضوحا في العراق، حيث يتمتع الحكم الذاتي لحكومة إقليم كردستان بالحماية بموجب الدستور، ولكن هذا لا يزال أمرًا لا يمكن تصوره في إيران وتركيا.

أخيراً، يقول الكاتب، تظل الولايات المتحدة أهم جهة فاعلة عندما يتعلق الأمر بتحديد مستقبل الأكراد، خاصة في العراق وسوريا. قد يكون ترامب قد أنهى الشراكة الأمريكية مع وحدات حماية الشعب الكردية، لكنَ الأكراد السوريين استفادوا من هذه العلاقة، حيث كانت القوى الخارجية تعتبرهم أقل القوى الكردية أهمية في المنطقة. والآن هم على الخريطة: بعد ساعات من إعلان ترامب انسحاب الولايات المتحدة من سوريا، ادعى متحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية أن فرنسا "ستضمن أمن" الأكراد السوريين. لكن خطوة واشنطن ستجبر الأكراد السوريين على التفاوض مع دمشق في وقت أبكر مما خططوا له، ومن موقف ضعف نسبي. وبالإضافة، فإن الانسحاب الكامل للولايات المتحدة يمكن أن يتسبب في نزاع يزعزع الاستقرار بين القوى الإقليمية في سوريا، مع نتائج كارثية للأكراد.

ولأنهم قلقون من هذه العواقب، حذر المسئولون الأمريكيون، بمن فيهم وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، تركيا من التدخل ضد الأكراد في شمال سوريا. بعد أن تعثرت في معضلة الأكراد في الشرق الأوسط، تجد الولايات المتحدة صعوبة في تخليص نفسها.

وسيتعين على واشنطن توظيف جميع قواتها لضمان عدم سحق الأكراد من قبل أنقرة ودمشق والقوى الإقليمية الأخرى. وهذا يتطلب درجة من الاهتمام واتساق السياسات التي لم تكن واضحة من قبل في إدارة ترامب.

ولكن مهما حدث في المستقبل القريب، فلا يمكن العودة إلى الوضع الذي كانوا عليه قبل بضعة عقود، قبل أن يؤدي تدخلات الولايات المتحدة في المنطقة إلى وضع الأكراد على مسار جديد جوهري. وعلى الرغم من النكسات المتكررة، والقمع المستمر، وعلى مدى أكثر من قرن من دون وطن، فإن الأكراد يبرزون أخيرا شعبا موحدا. قد تكون دولة كردية بعيدة المنال، ولكن إذا ظهرت واحدة، فستكون هناك أمة هناك لتعبئتها.

** رابط المقال الأصلي: https://www.foreignaffairs.com/articles/turkey/2019-02-12/kurdish-awakening?utm_campaign=tw_daily_soc&utm_medium=social&utm_source=twitter_posts

 

 


تم غلق التعليقات على هذا الخبر